تقـــارير

مقابلة صحفية مع عضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي المناضل والأكاديمي: د. عيدروس محسن حسن اليهري

مقابلة صحفية مع عضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي المناضل والأكاديمي: د. عيدروس محسن حسن اليهري

صوت الضالع / حاوره: الصحفي د. أمين العلياني

مقدمة: 

في حوارنا اليوم، نستضيف قامةً جنوبيةً جمعت بين عمق الأكاديمي وثبات المناضل الذي كان وعددًا من رفاقه من الأكاديميين والناشطين التي تعرضوا للاعتقال من قبل قوات الاحتلال اليمني الكهنوتي وتم اقتيادهم وهم يحملون شعلة العلم والمعرفة وروح المدنية وثقافتها السلمية غير أن نظام الاحتلال اليمني الغاشم لم يقدر مدنية أخلاقهم وثقافتهم ولا علمية أكاديميتهم الراقية، بل تعامل مع كل من عبر عن رفضه بالعقاب والاعتقال والسجن، ومن هؤلاء الذين تعرضوا للمضايقة والملاحقة والاعتقال الدكتور المناضل عيدروس اليهري الذي كان أحد الذين تم القبض عليه لكونه من السياسيين المعارضين البارزين، وبعد أن تم اعتقاله ومن ثم سجنه في سجن الأمن السياسي بصنعاء عام 2011م.

ويعد الدكتور المناضل والسياسي المخضرم عيدروس اليهري، عضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، من الرجال الصناديد الذين اختصروا مسيرتهم النضالية تاريخًا حيًا للجنوب بين أروقة العلم ودهاليز السجون وميادين النضال السياسي.

ويطل علينا الدكتور السياسي عيدروس اليهري من خلفيةٍ علميةٍ لامعة كأستاذ مشهود له بعلميته وأمتيازات بحوثه الرصينة في الكيمياء العضوية من جهة، ومن جهة أخرى صفحاته النضالية المشرقة التي امتدت من العمل السياسي إلى قيادة ملفات حراكية وسياسية حساسة، منها رئاسته للمجلس الطلابي لطلاب جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في جامعة أوديسا سابقًا وتقلده منصب المتحدث الرسمي للطلاب الجنوبيين هناك، وصولًا إلى عضويته في هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي اليوم، وترؤسه للفرق الرئاسية للتوجيه والرقابة في عدة محافظات جنوبية.

 في هذه التغطية الصحفية الشاملة، نستعطف ذاكرته لنغوص في محطات التكوين، ونستنطق رؤيته لطريق الاستقلال الناجز لدولة الجنوب العربي، ونقف على نبض الواقع الراهن لمشروع أستعادتها كاملة السيادة المنشودة.

المحور الأول: النشأة والتكوين:

·سؤال. دكتورنا العزيز عيدروس أنت ولدت من من نبع يهر الأصالة والشهامة والكرم في محافظة لحج. كيف أثرت طفولتك ودراستك الابتدائية والإعدادية في مدارس مثل “حمير الواد” و”الحرية” و”الشهيد لبوزة ردفان” في تشكيل وعيك المبكر؟

·حواب. بأمانة وأنت في يهر الأجداد وأرض الأحفاد تحس بدفئها وطيب أصلها وعراقة أرضُها ، وأصالة أهلها التي لا تُنسى، والانتماء إليها ليس حدثًا عابرًا بل هو تكوينٌ تراكمي توارثته الأجداد وجسدته الأحفاد. 

 وفي يهر، تعلَّمت معنى الصمود الصلب وفي فصول تلك المدارس، لم تكن تتلقَ حروفًا على الورق فحسب، بل كنت تستلهم روح الجماعة وقيمة المعرفة كسلاح للتغيير، وكانت عدن، بضوئها وحضارتها الواسعة، حلم كل طالب، وهي التي علمتنا جميعًا، لأننا جزء من كيان أكبر، وهو درسٌ لازمنا في كل المراحل.

 سؤال. د. عيدرس البهيري بعد ذلك جاءت محطة دراستك في الاتحاد السوفيتي (أوكرانيا حاليًا) حيث نلت شهاداتك الأكاديمية المشرفة في أهم تخصص علمي من روسيا العظمى ومن أوكرانيا أيضًا وحصدت أعلى الرتب المشرفة في الكيمياء العضوية.

 كيف صقلت تلك التجربة في ظل العمل السياسي آنذاك شخصيتك الأكاديمية والسياسية؟

جواب. التجربة السياسية كانت أفقًا مزدوجًا علميًا وسياسيًّا وبالذات في الدول التي احترفت دقة المنهج العلمي وصرامته، وهو ما انعكس لاحقًا في محطاتي الأكاديمية، وسياسيًا، كانت المرحلة تتسم بتحولات “البيريسترويكا” والتفكك، وهي مرحلة أشبه بمحاولة خروج نظام ضخم من عنق زجاجة. وعايشنا صراع الأفكار ورأينا كيف تتصارع الأحلام الكبرى مع تناقضات الواقع، وهو ما وسَّع أفق التحليل السياسي لدي.

المحور الثاني: د.عيدروس اليهيري بين ثنائية العالم المبدع والسياسي المحترف.

·سؤال، د. عيدروس بعد عودتك، عُينت مدرسًا في كلية الهندسة بجامعة عدن عام 1988م، وحصلت على الدكتوراه الثانية من الهند في كيمياء النباتات الطبية. كيف نوفّق بين حياة الأستاذ الجامعي الهادئة وانخراطه المبكر في العمل السياسي في الكلية؟

جواب. لم أرَ تعارضًا البتة، فالقاعة الدراسية كانت امتدادًا للمجال العام، وكنت أؤمن أن دور المثقف ليس الانكفاء في برجه العاجي، بل توظيف معرفته لخدمة قناعاته وإفادة مجتمعه. فالانخراط في العمل السياسي، آنذاك، كان الإطار التنظيمي الأبرز للتعبير عن مشروع وطني، وكنت أرى في النشاط السياسي وسيلة لترجمة الأفكار إلى برامج عمل، وتنظيم الطاقات الشبابية.

 سؤال د.عيدروس في عام 2011م، اعتُقلت مع عدد من الأكاديميين والناشطين وتم اقتيادكم إلى سجن الأمن السياسي في صنعاء. هل يمكن أن تشاركنا شيئًا عن تلك التجربة القاسية وكيف شكلت منعطفًا في مسارك السياسي والنضالي؟

جواب. أقولها بصوت هادئ حازم، السجنُ محطة تصهر الإرادات، وكانت تجربة قاسية، لكنها أكدت يقينًا أساسيًا: أن صوت الجنوب ومطالبه لن تخمد بالقمع والتهريب ولا حتى بالقتل، من ذكريات عزائم لقاء المعتقلين على خلفيات فكرية مختلفة في زنزانة واحدة كان يعكس، بمرارته، حجم المظلمة التي يتعرض لها الجنوب. غير أننا خرجنا منها بإصرار أكبر، وبقناعة أن الطريق السلمي للنضال قد يواجه بأقصى درجات القمع، مما يستدعي تطوير أدوات النضال واستمراريته بكل السبل المشروعة.

القسم الثالث: د.عيدروس اليهري من مراحل النضال إلى قلب المشروع الجنوبي

سؤال. د. عيدروس : اليوم، أنت عضو في هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، الكيان الذي يُنظر إليه دوليًا بوصفه مثالًا رئيسًا يمثل مصالح الجنوب. كيف تُقيّمون مسار المجلس منذ تأسيسه عام 2017 وحتى توقيع “الميثاق الوطني الجنوبي” في مايو 2023؟

·جواب. د. اليهري: لم يسير المسار متعرجًا، لكنه ثابت الاتجاه فتأسس المجلس الانتقالي الجنوبي؛ ليقود عملية استعادة الدولة، وقد عمل على مستويات متوازية من أهمها ترسيخ وجوده كواقع سياسي وعسكري على الأرض، وبناء تحالفات داخلية عبر “الميثاق الوطني” الذي مثل لحظة اصطفاف تاريخية، وخارجية عبر تمثيل قياداته في عواصم عالمية. التحدي كان وما زال يتمثل في توحيد الرؤى داخل المشروع الجنوبي، والتعامل مع تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي.

سؤال. عيدروس اليوم السواد الأعظم من شعب الجنوب يرى أن صعود المجلس الانتقالي الجنوب منطلقّا من عدالة قضيته والإرادة الشعبية التي فوضت الرئيس عيدروس بن قاسم الزبيدي؛ ليكون ممثلًا شرعيًا عن تطلعاته ناهيك عن القوات المسلحة الجنوبية التي هي يد صمام أمان المشروع التحرري الجنوبي؛ لكن هناك أصوات معارضة وهي قلة لا تؤمن بحق الجنوب إلا في حكم الشمال لدواعي ضيقة تتمثل بالبحث عن سلطة لا وطن وهي بالأساس تنتمي للأخوانية في الغالب، وترى أن المجلس الانتقالي ما وصل إليه وحقق من انجازات بسبب أنه أداة مرتبطة بدولة الإمارات العربية المتحدة، فهل ترون هذا السردية الإرهابية تؤثر على إرادة شعبنا في الجنوب؟ وما طبيعة العلاقة بين الجنوب مع الشركاء الإقليميين مثل السعودية والإمارات؟

·جواب د. اليهري: (بحسم) قرارنا جنوبي بإرادة شعب الجنوب، والشراكات الإقليمية تقوم على تقاطعات مصلحية مرحلية، والجميع يدرك أن المصلحة الإقليمية والدولية تقتضي استقرارًا يحقق تطلعات شعبنا. ودور الإمارات أو السعودية يُفهم في سياق المعادلة الأوسع للحرب في اليمن. ونحن نتعامل مع جميع الأطراف من منطلق أن قضيتنا عادلة وحقنا غير قابل للتصرف، وأن أي تسوية مستدامة شاملة يجب أن تنطلق من الاعتراف بهذا الحق الذي يجعل قضية شعبنا كطرف ندي ومن دون شروط ولا سقوف ولا مرجعيات بل الحق الذي يختاره الشعب وفوض من أجله رئيسًا يمثل تطلعاته ويجب أن تحترم الإرادات الشعبية في خياراتها المصيرية في استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة.

سؤال: د. عيدرىس بوصفك رئيسًا للفريق الرئاسي للتوجيه والرقابة في محافظات مثل لحج و شبوة والضالع، ما أبرز التحديات الخدمية والمعيشية التي تواجه المواطن الجنوبي، وكيف يعالجها المجلس في ظل شح الموارد؟

حواب، د. اليهري: مستشهدًا بنشاطه الميداني التحديات جسيمة: بنية تحتية منهكة، خدمات متداعية، ومعاناة يومية للمواطن. عملنا في الفرق الرئاسية بهدف التركيز على آليات الرقابة والتنسيق بين الأجهزة المحلية لتحسين الأداء، وفتح قنوات مباشرة لسماع هموم الناس. عملنا على ترتيب البيت الداخلي وخلق حالة من الثقة بين المواطن والمؤسسة الناشئة، وهذا جزء لا يتجزأ من الاستعداد لقيادة الدولة.

القسم الرابع: د. عيدروس اليهري كيف تقرأ مستقبل الجنوب من آفاق مستقبلية:

سؤال، د عيدروس ما هي ملامح “الدولة الجنوبية” التي يتطلع إليها المجلس الانتقالي الجنوبي؟ وهل هي استعادة لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابقة أم مشروع جديد يمكن تسميته دولة الجنوب العربي؟

·جواب. د. اليهري: نحن نستعيد دولة بحدود 21 مايو 1990، ولكن برؤية عصرية ونستلهم الإيجابيات من تجربة الدولة الجنوبية السابقة، خاصة في مجال بناء مؤسسات الدولة والنهضة الاجتماعية وتعليم المرأة الذتي سبقنا بها المنطقة، لكن المشروع الوطني الجنوبي الجديد يجب أن يكون دولة قانون ومؤسسات ديمقراطية تعددية، تضمن العدل والمساواة لجميع مواطنيها، وتكون جزءًا فاعلًا وإيجابيًا في محيطها العربي والدولي، وميثاقنا الوطني وضع اللبنات الأساسية لهذا البناء.

سؤال. د عيدروس كيف يرى المجلس الانتقالي مستقبل التفاوض مع الأطراف الشمالية المختلفة؟ وما الموقف من الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا غير أنها باتت هاربة ولم تقم بمسؤولياتها؟

 سؤال. د. عيدروس هل ترى المفاوضات هي الخيار الاستراتيجي للأزمة الحالية.

جواب لكن أي حوار يجب أن يكون بين طرفين واضحين: ممثل شرعي للجنوب وآخر للشمال. نحن ندعو إلى مفاوضات مباشرة وجادة تحقق الفصل السياسي السلمي، وتضمن حقوق الطرفين في إطار حسن الجوار. أما الحكومة التي تتحدث عنها، في الخطابات الرسمية بتأثيرات أقليمية فالشرعية الدولية التي تتغنى بها قوى فهي لا تعني شرعيتها في تمثيل الجنوب بل تمثل الشمال لأن المبادرة الخليجية وقرارات مجلس الأمن 2216 لا تعني الا حل الانقلاب الذي حصل بين أطراف الصراع في الشمال . أما الجنوبيون فهم من يقررون مصيرهم ويمثلون أنفسهم.

سؤال د.عيدروس اليهري: أخيرًا، كرسالة شخصية من سعادتك بوصفك سياسي وأكاديمي ومناضل، ماذا تقول للشاب أو الشابات الجنوبيات اليوم؟

جواب : أقول لهم: أنتم جمرة هذا المشروع وضياء مستقبله. استعيدوا إرث أمتكم من العلم والنضال واقرأوا، تعلَّموا، وانخرطوا بوعي، وطريقنا طويل ومحفوف بالتحديات، ولكن يقيننا بعدالة قضيتنا، ووحدة هدفنا، وتضحيات شهدائنا، هو الوقود الذي لا ينضب. كونوا صورة الجنوب الجديد: الواعي، القوي، والباني ولا تخافوا على قضية ورئيسها اسم الرئيس عيدروس بن قاسم الزبيدي المفوض من إرادة شعبية لا تخذله وهو العهد الذي لا ينقض والوعد الذي لا يخون.

 وبعد هذا الحوار الشيق والمكثف، يخرج المتلقي بصورة واضحة عن رجلٍ حوَّل مسار حياته من مختبرات الكيمياء إلى معمَل السياسة المبدع، حاملًا معه نفس الدقة والمنهجية والإيمان الذي لا يتزعزع بحق شعبه في تقرير مصيره. ويظل الدكتور عيدروس اليهري مثالًا على ذلك الجيل الذي يحمل هموم وطنه في عقله وقلبه، ويواصل السير على الدرب، محفوفًا بالذكرى الأليمة لسجن صنعاء من جهة، وبالرعاية الأخوية من قادة المجلس الانتقالي في محنته الشخصية كوفاة والدته من جهة أخرى. إنه درب الاستقلال، الذي يراهن أبناؤه على نهايته المشرفة، مهما طال الزمن.

وفي الأخير أقدم شكري وتقديري واعتزازي لهذه الهامة والقامة الجنوبية المبدعة والمحترفة التي أجريت معي هذه التغطية الصحفية لدوافع وطنية ولا أبالغ أن قلت أني عرفت الدكتور أمين العلياني وهو ذلك الطالب والدكتور واليوم الاستاذ المبدع علمًا وثقافة وتميزًا، فهو دكتور وصحفي شبابي متوهج بالعطاء النضالي والإعلامي والصحفي المستحق وأتمنى أن ينال مكانته التي تليق به في شغل أي منصب يوكل إليه، لأن نجاحاته قد عرفتها الجامعة والدراسات العليا وما أحدثه من نقلة نوعية في تطوير برامج الماجستير وإعداد لبعض البرامج الأكاديمية المستحدثة في كلية صبر جامعة عدن سابقًا ولحج حاليًا، فهو للإمانة الإخلاقية والوطنية مكسب وطني جنوبي كبير بعقله ووعيه وغزارة أفكاره وتمكنه في عمقها السياسي وثراءه اللغوي وربما شهادتي فيه مجروحة، لأني ما قلت فيه نابعًا من تجربة ليس من دواعي المجاملة.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى