كتب / علي محمد سيقلي
في كل مرة يخرج علينا بعض المحسوبين على ما تُسمى بالشرعية، ليقولوا بكل ثقة: “الحوثي يمني منا وفينا… وسنتفق معه”، أدرك أن المشكلة لم تكن يومًا في الحوثي وحده، بل في العقلية التي لا ترى الجنوب إلا ساحة مؤقتة، أو فندقًا سياسيًا مفتوحًا لمن خسر أرضه هناك، ويريد أن يحكم أرضًا هنا.
كجنوبي، لا أنكر أن الحوثي يمني، كما لا أنكر أنكم أنتم أيضًا من اليمن ومن نفس الطينة والعجينة. هذه ليست قضية هوية، بل قضية مشروع وعقلية ونظرة استعلاء لم تتغير منذ عقود. أنتم ترون أن الشمال، بكل حروبه وأزماته ومليشياته، قابل للتفاوض والتفاهم والتسامح… أما الجنوب، فترونه مجرد غنيمة جاهزة، لا يحق لأهله حتى التفكير بمستقبلهم أو تقرير مصيرهم.
تختلفون مع الحوثي في السياسة، ثم تعودون لتقولوا: “سنتفق معه”. لكنكم حين يتعلق الأمر بالجنوبي، تتحولون إلى أوصياء على الأرض والتاريخ والهوية، وكأن الجنوب خُلق ليكون ملحقًا دائمًا بمشاريعكم الفاشلة.
المفارقة الساخرة أن الجنوبي، الذي تصفونه أحيانًا بالانفصالي والخائن والمتمرد، هو نفسه من فتح لكم أبواب مدنه بعد 2015. لم نشردكم من أرضكم. لم نصادر بيوتكم. لم نغلق في وجوهكم المؤسسات. لم نمنعكم من العمل السياسي أو الإعلامي. بل استقبلكم الجنوب، بكل ما فيه من أزمات وحروب وفقر وانهيار خدمات، ومنحكم مساحة للحياة، بينما كانت مدنكم تسقط واحدة تلو الأخرى.
عدن، التي تتهمونها صباح مساء، أصبحت العاصمة التي تمارسون فيها السياسة، وتصدرون منها البيانات، وتتحركون فيها بحرية، بينما المواطن الجنوبي نفسه يقف ساعات في الظلام، ويصارع الكهرباء والماء والرواتب المنهكة.
أنتم تتحدثون عن الحوثي باعتباره “جزءًا من اليمن”، وهذا شأنكم، لكن لماذا يصبح الجنوبي وحده متهمًا إذا تحدث عن قضيته؟ لماذا يصبح الاتفاق مع الحوثي “حكمة سياسية”، بينما يصبح الحوار مع الجنوبي “خطرًا على الوحدة”؟
الحقيقة التي ترفضون الاعتراف بها، أن الجنوب لم يعد ذلك الجنوب الذي يُدار بالأوامر والخطابات العاطفية. هناك شعب كامل دفع ثمن الحروب، وتحمل الفوضى، وفتح أرضه للجميع، لكنه في النهاية يريد أن يشعر أنه صاحب هذه الأرض، لا مجرد حارس مؤقت لمصالح الآخرين.
الجنوبي لم يذهب إلى صنعاء ليحكمها، ولم يطالب بالوصاية على الشمال، ولم يقل يومًا إن المحافظات الشمالية ملك له. كل ما يريده ببساطة، أن تتوقفوا عن التعامل مع الجنوب باعتباره “حقًا مكتسبًا” مهما فعلتم، ومهما خذلتم الناس، ومهما تحالفتم حتى مع من كنتم تصفونهم بالأعداء.
ومن حق أي جنوبي اليوم أن يسأل: إذا كان الحوثي “يمنيًا منكم وفيكم”، وستتصالحون معه في النهاية… فلماذا كل هذا العداء للجنوبي، الذي آواكم حين ضاقت بكم البلاد؟
زر الذهاب إلى الأعلى