تقـــارير

21 مايو.. ذكرى فك الارتباط ومسار استعادة الدولة الجنوبية

21 مايو.. ذكرى فك الارتباط ومسار استعادة الدولة الجنوبية

صوت الضالع / تقرير / مريم بارحمة

يشكّل الحادي والعشرون من مايو محطة سياسية ووطنية مفصلية في ذاكرة الجنوبيين، إذ يختزل عقوداً من الصراع والمعاناة والتحولات الكبرى التي شهدها الجنوب العربي منذ إعلان الوحدة اليمنية عام 1990م وحتى اليوم. ففي هذا اليوم أعلن الرئيس الجنوبي الراحل علي سالم البيض قرار فك الارتباط مع الجمهورية العربية اليمنية، بعد أن وصلت الشراكة السياسية إلى طريق مسدود، وانتهت فعلياً بالحرب والاجتياح العسكري وما تبعه من تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية لا تزال آثارها حاضرة حتى اللحظة.

وتأتي الذكرى الثانية والثلاثون لإعلان فك الارتباط في ظل واقع سياسي مختلف عمّا كان عليه الجنوب خلال العقود الماضية، خصوصاً بعد بروز المجلس الانتقالي الجنوبي العربي بوصفه الكيان السياسي والعسكري الأكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد الجنوبي، وحاملاً رئيسياً لمشروع استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة.

_من مشروع شراكة إلى صدام سياسي وعسكري

يرى كثير من الجنوبيين أن الوحدة التي أُعلنت في 22 مايو 1990م لم تستمر طويلاً كصيغة شراكة سياسية متكافئة، إذ بدأت الخلافات تظهر مبكراً بين طرفي الوحدة، مع تصاعد الاتهامات بشأن الإقصاء والاستحواذ وغياب الشراكة الحقيقية في إدارة الدولة الجديدة.

ففي الوقت الذي دخل فيه الجنوب مشروع الوحدة باعتباره دولة ذات سيادة ومؤسسات قائمة وعضواً في المجتمع الدولي، كانت التوقعات تتجه نحو بناء نموذج سياسي جديد قائم على الشراكة والتكامل. غير أن تلك الآمال، سرعان ما اصطدمت بواقع مختلف تمثل في الصراعات السياسية، وحملات الاغتيالات التي استهدفت الكوادر الجنوبية، إضافة إلى تزايد النفوذ العسكري والقبلي القادم من صنعاء.

ومع تفاقم الأزمة السياسية، جاءت “وثيقة العهد والاتفاق” الموقعة في العاصمة الأردنية عمّان كمحاولة أخيرة لإنقاذ الوحدة ومنع الانزلاق نحو الحرب، إلا أن تلك الجهود انهارت سريعاً، لتندلع حرب صيف 1994م التي شكلت نقطة التحول الأخطر في تاريخ العلاقة بين الجنوب والشمال.

_حرب 1994 التحول من الوحدة إلى واقع الهيمنة

تمثل حرب صيف 1994م، في الوعي السياسي الجنوبي، اللحظة التي سقطت فيها نهائياً فكرة الوحدة التوافقية، وتحولت إلى مشروع فرض بالقوة العسكرية. فقد شهدت تلك الحرب اجتياح الجنوب وإسقاط مؤسساته السياسية والعسكرية، الأمر الذي اعتبره الجنوبيون بداية مرحلة جديدة من الإقصاء والتهميش والسيطرة على القرار والثروة.

ولم تتوقف تداعيات الحرب عند حدود المواجهة العسكرية، بل امتدت إلى تفكيك مؤسسات الدولة الجنوبية، وتسريح عشرات الآلاف من العسكريين والموظفين الجنوبيين، إضافة إلى نهب الأراضي والثروات العامة، وخصخصة العديد من المؤسسات الاقتصادية لصالح متنفذين وقوى نافذة.

كما شكلت تلك المرحلة بداية اتساع حالة الاحتقان الشعبي في الجنوب، خصوصاً مع تزايد معدلات الفقر والبطالة وتراجع الخدمات، في مقابل استمرار عمليات السيطرة على الموارد النفطية والسمكية والموانئ الحيوية.

ويرى محللون جنوبيون أن حرب 1994م لم تكن مجرد معركة سياسية عابرة، بل شكلت مشروعاً لإعادة صياغة الجنوب وفق معادلات القوة والنفوذ، الأمر الذي أسهم في تعميق الفجوة بين الشمال والجنوب، ودفع بقضية الجنوب إلى واجهة المشهد السياسي مجدداً.

_قضية الجنوب من الاحتجاجات إلى الحراك الشعبي

خلال السنوات التي أعقبت الحرب، تصاعدت حالة الغضب الشعبي في محافظات الجنوب، خصوصاً مع استمرار سياسات التهميش والإقصاء. وفي عام 2007م برز الحراك الجنوبي السلمي كأحد أهم التحولات السياسية في الجنوب، حيث خرج آلاف الجنوبيين في مظاهرات واعتصامات للمطالبة بالحقوق السياسية والاقتصادية، قبل أن تتطور المطالب لاحقاً إلى الدعوة لفك الارتباط واستعادة الدولة الجنوبية.

وأعاد الحراك الجنوبي إحياء الهوية الوطنية الجنوبية، كما أسهم في توحيد قطاعات واسعة من الشارع الجنوبي حول مشروع سياسي يقوم على استعادة الدولة، باعتبار أن الوحدة تحولت إلى أداة للهيمنة لا إلى شراكة متكافئة.

ومع اندلاع الحرب ضد الحوثيين عام 2015م، دخل الجنوب مرحلة جديدة من الصراع، حيث لعبت القوات الجنوبية دوراً محورياً في تحرير عدد من محافظات الجنوب من سيطرة جماعة الحوثي، بدعم من التحالف العربي، ما منح القوى الجنوبية حضوراً عسكرياً وسياسياً أكبر على الأرض.

_المجلس الانتقالي أعاد تشكيل المعادلة

في مايو 2017م أُعلن تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي برئاسة الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، ليشكل تحولاً نوعياً في مسار قضية الجنوب، إذ استطاع المجلس خلال سنوات قليلة أن يتحول إلى الفاعل السياسي والعسكري الأبرز في الجنوب.

وينظر إلى هذا الكيان باعتباره تتويجاً لنضالات الحراك الجنوبي والمقاومة الجنوبية، والإطار السياسي الجامع الذي أعاد تنظيم المشروع الوطني الجنوبي ضمن رؤية أكثر وضوحاً على المستويين الداخلي والخارجي.

كما تمكن المجلس من فرض حضوره في المشهد الإقليمي والدولي، سواء عبر مشاركته في المشاورات السياسية، أو من خلال تمثيله لقضية الجنوب في العديد من المحافل، إضافة إلى حضوره ضمن مجلس القيادة الرئاسي اليمني.

ويرى مراقبون أن المجلس الانتقالي استطاع خلال السنوات الماضية تحقيق قدر من التماسك السياسي والعسكري، رغم التحديات الكبيرة التي تواجه الجنوب، وفي مقدمتها التدهور الاقتصادي والخدماتي، والضغوط السياسية، واستمرار التهديدات الأمنية والإرهابية.

_الثروة والهوية جوهر الصراع

تشكل قضية الثروة والهوية أحد أبرز محاور الخطاب السياسي الجنوبي في ذكرى فك الارتباط. فالجنوبيون يؤكدون أن الجنوب يمتلك موارد استراتيجية ضخمة، تشمل النفط والغاز والثروة السمكية والموانئ البحرية، غير أن تلك الموارد تعرضت للاستنزاف منذ عام 1990م دون أن تنعكس على حياة المواطنين أو التنمية المحلية.

وفي هذا السياق، يربط الجنوبيون بين استعادة الدولة الجنوبية وبين حماية الثروات الوطنية وإعادة توظيفها لخدمة أبناء الجنوب، خصوصاً في ظل ما تعانيه محافظات الجنوب من أزمات معيشية وخدمية متفاقمة.

إلى جانب ذلك، تحضر قضية الهوية الجنوبية بقوة في الخطاب السياسي والإعلامي، حيث يعتبر الجنوبيون أن مشروعهم لا يتعلق فقط بالسياسة أو السلطة، بل يرتبط بالحفاظ على الهوية الوطنية الجنوبية وتاريخ الجنوب ومؤسساته المدنية التي تعرضت لمحاولات الطمس والتذويب بعد حرب 1994م.

_21 مايو رمزية سياسية متجددة

تحمل ذكرى فك الارتباط في كل عام أبعاداً سياسية تتجاوز استحضار الماضي، إذ تتحول المناسبة إلى رسالة سياسية تؤكد تمسك قطاعات واسعة من الجنوبيين بخيار استعادة الدولة الجنوبية.

وفي الذكرى الثانية والثلاثين، بدا واضحاً أن الخطاب الجنوبي بات أكثر تنظيماً وثباتاً، خصوصاً مع استمرار الحضور الشعبي والسياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي، الذي يؤكد في مختلف خطاباته أن مشروع استعادة الدولة أصبح خياراً استراتيجياً لا تراجع عنه.

كما تعكس هذه الذكرى حجم التحولات التي شهدها الجنوب خلال العقود الماضية، إذ انتقلت قضية شعب الجنوب من مرحلة الاحتجاجات المحدودة إلى مشروع سياسي يمتلك أدواته العسكرية والتنظيمية وحضوره الإقليمي والدولي.

ويرى مراقبون أن الجنوب اليوم يقف أمام مرحلة حساسة تتطلب تعزيز وحدة الصف الجنوبي، وترتيب الأولويات الداخلية، وبناء مؤسسات أكثر فاعلية، بما ينسجم مع تطلعات الشارع الجنوبي نحو الاستقرار واستعادة الدولة.

_تحديات المرحلة المقبلة

ورغم الحضور السياسي والعسكري المتنامي لقضية الجنوب، إلا أن الطريق أمام مشروع استعادة الدولة لا يزال محفوفاً بالتحديات، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الأمني.

فالجنوب يواجه أزمات معيشية خانقة تتمثل في انهيار الخدمات الأساسية، وتدهور العملة، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وهي ملفات تتطلب معالجات عاجلة للحفاظ على حالة الالتفاف الشعبي حول المشروع الوطني الجنوبي.

كما أن المشهد الإقليمي والدولي لا يزال معقداً، في ظل استمرار الحرب اليمنية وتشابك المصالح الدولية والإقليمية، ما يجعل أي تسوية سياسية مستقبلية مرتبطة بتوازنات متعددة.

ومع ذلك، استطاع المجلس الانتقالي خلال السنوات الماضية تجاوز الكثير من التحديات، و بات يمتلك إرادة سياسية وشعبية أكثر صلابة، مدعومة بتضحيات آلاف الشهداء والجرحى الذين سقطوا خلال مسيرة النضال الجنوبي.

_إرادة شعب ومشروع دولة

في المحصلة، تبدو ذكرى 21 مايو بالنسبة للجنوبيين أكثر من مجرد مناسبة تاريخية؛ فهي تمثل إعلاناً متجدداً عن مشروع سياسي يستند إلى إرادة شعبية متراكمة منذ حرب 1994م وحتى اليوم.

وبينما يستمر الجدل السياسي حول مستقبل اليمن وشكل الدولة القادمة، يواصل الجنوب التمسك بخياره السياسي، مدفوعاً بإرث طويل من الصراع والتحولات والتضحيات.

وفي ظل المتغيرات الراهنة، تظهر قضية الجنوب حاضرة بقوة في أي معادلة سياسية قادمة، خصوصاً مع استمرار المجلس الانتقالي الجنوبي العربي بقيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي في تعزيز حضوره السياسي والعسكري، وتأكيده أن مشروع استعادة الدولة الجنوبية يمثل الهدف المركزي الذي يلتف حوله قطاع واسع من أبناء الجنوب العربي.

وهكذا، تبقى ذكرى فك الارتباط محطة رمزية متجددة في الوجدان الجنوبي، تستحضر الماضي بكل آلامه، وتعيد رسم ملامح المستقبل : دولة مستقلة، وهوية حاضرة، وسيادة كاملة على الأرض والثروة والقرار

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى