تبدو السعودية حاليًّا في سباق محموم مع الزمن لفرض واقع سياسي جديد في الجنوب العربي، عبر محاولات حثيثة ومرتبة لإعادة هندسة خارطة التمثيل وتفكيك مراكز القوة الحالية.
هذه التحركات تهدف بشكل مباشر إلى محاصرة النفوذ المتنامي للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي، ومحاولة تحجيم المكانة القيادية للرئيس عيدروس الزبيدي.
ومن خلال تفريخ مكونات سياسية بديلة وموازية، يسعى هذا المسار الممنهج إلى سحب البساط من تحت الكيان الممثل لتطلعات الشارع، وإيجاد واجهات مرنة يسهل توجيهها لخدمة الترتيبات الإقليمية على حساب القضية الجنوبية وجوهرها السيادي.
إلا أن هذا الاندفاع الرامي إلى إحداث إحلال سياسي قسري يصطدم صدمة عنيفة بواقع ميداني صلب غير قابل للتطويع أو التزييف.
فالشارع الجنوبي أثبت في أكثر من منعطف أن الشرعية القيادية لا تصنعها التوافقات الخارجية أو الغرف المغلقة، بل تعمدها الإرادة الشعبية المعمدة بالتضحيات.
ولهذا، فإن كل أدوات الضغط المالي والخدمي الرامية لإضعاف الحاضنة الشعبية للمجلس الانتقالي قد تكسرت أمام وعي جمعي يرفض مقايضة الثوابت الوطنية بالملفات المعيشية، مما جعل مشاريع التفتيش والتقسيم تولد ميتة جماهيرياً.
تتجلى حقيقة هذا الفشل الاستراتيجي للمخططات المعادية في الهوية البصرية والشعاراتية الثابتة للفعاليات، والتظاهرات، والمليونيات الحاشدة التي تشهدها العاصمة عدن، وحواضر حضرموت، وبقية المحافظات الجنوبية.
فالحضور الطاغي والمستمر لصور الرئيس عيدروس الزبيدي في هذه الساحات لم يعد مجرد بروتوكول تضامني، بل هو استفتاء شعبي متجدد يقطع الطريق أمام أي محاولات للالتفاف.
كما أن رفع هذه الصور والرايات في وجه محاولات الإقصاء يبعث برسالة تحدٍ واضحة، مفادها أن الرمزية السياسية للقائد متجذرة في وجدان الجماهير كضمانة للمشروع الوطني، وليست منصباً عابراً يمكن إلغاؤه بقرار.
ويؤكد هذا التلاحم الميداني أن الرئيس الزبيدي لا يزال يحتفظ برصيد سياسي ورمزي هائل وعصي على الانكماش لدى الجنوبيين، وهو الرصيد الذي يجهض بشكل تلقائي مؤامرة سلب القرار الجنوبي.
وبقاء الحضور الشعبي للانتقالي وقيادته كرقم غير قابل للتجاوز في الساحة يثبت أن محاولات الرياض لإعادة صياغة المشهد من طرف واحد هي مراهنة على سراب؛ فخارطة الجنوب السياسية قد رُسمت حدودها بوعي وإرادة شعبها، وأي محاولة للقفز فوق هذه الحقيقة لن تحصد سوى المزيد من الانكشاف والتراجع
زر الذهاب إلى الأعلى