مقالات وتحليلات

د. أمين العلياني : لو أُعيدت عاصفة الحزم مرةً أخرى

د. أمين العلياني : لو أُعيدت عاصفة الحزم مرةً أخرى

بقلم /  د. أمين العلياني

تتسارع الأحداث في منطقتنا العربية كالسيل الجارف، لا يُبقي ولا يذر، وتتكشف مع كل فجرٍ جديدٍ حقائق كانت بالأمس القريب دفينة الصدور، مكنونةً في طيات السياسة ودهاليز الدبلوماسية التي أتقنت لغة المصالح والمساومات على حساب قضايا الشعوب العادلة.

لقد أثبتت الأيام المتعاقبة، بما لا يدع مجالًا للشك أو التأويل، أن الهدف الأسمى الذي قامت عليه عاصفة الحزم بتحالفها العربي العريض الذي ضم اثنتين وعشرين دولةً تحت راية المملكة العربية السعودية، لم يكن سوى هدفٍ استراتيجيٍ لا لبس فيه: قطع اليد الإيرانية العابثة بأمن العرب، واجتثاث أذنابها الذين نبتوا في خاصرة المنطقة، وبالذات في الجنوب بعد أن سقط الشمال بأيديهم كالسرطان الخبيث، وإعادة الشرعية المغتصبة، ونصرة القضايا العادلة التي أنهكتها المؤامرات، ليحل الأمن محل الخوف، ويعم الاستقرار بدل الفوضى، ويخيم السلام على ربوعٍ أنهكتها الحروب والصراعات. وكان هذا هو الخطاب، وكان هذا هو الوعد، وكانت تلك هي الغاية المعلنة التي التفت حولها القلوب، واجتمعت عليها الكلمة، وانبرت لها السيوف، واحتدمت المعارك، وضحى من أجلها ولأجلها الآلاف من الشهداء، وبالذات في الجنوب العربي.

ولكن، ماذا تحقق من تلك الأهداف النبيلة بعد كل هذه السنوات الإحدى عشرة العجاف؟ وأين نحن اليوم من تلك الوعود العظام والآمال الكبار؟ لقد تقلبت الأحوال، وتبدلت المواقف، وانقلبت الأولويات، حتى غدونا نرى بأم أعيننا ما يدمي القلوب ويقطع الأكباد: وفودٌ تترى تتقاطر إلى طهران، لا لتهنئتها بيومٍ وطنيٍ أو عيدٍ قوميٍ، بل لتعزيتها في استشهاد مرجعيتها التي توصف بأبشع النعوت، فلا يُقال مات أو قُتل، بل استُشهد! والأدهى من ذلك والأمرّ، أن الحوثي الذي رفع السلاح في وجه الدولة وعبث بأمن المنطقة وأراق الدماء الزكية، صار يُساوى في تلك الوفود الواصلة إلى طهران لتقبيل الأيادي على مشرف ضريح خامنئي، صار وفد الحوثي يُساوى وفد المملكة العربية السعودية ذاتها، وكأن شيئًا لم يكن، وكأن الدماء التي سالت والمواقف التي اتخذت والتحالفات التي عقدت قد تبخرت في الهواء، أو دفنت في مقبرة المصالح المتقلبة.

فهل قطعت إيران يدها حقًّا، أم أنها ما زالت تغزل بمكرها ودهائها، ناسجةً خيوط عنكبوتها حول عواصم القرار العربي؟ وهل ما زالت الرياض تحارب من حارب معها ضد المشروع الإيراني التوسعي، أم أنها اليوم، وفي منعطفٍ خطيرٍ من التاريخ، صارت تحارب أولئك الذين كانوا يومًا حلفاءها وأداتها في قطع تلك اليد الآثمة؟ إنها أسئلةٌ تفرض نفسها بإلحاحٍ شديدٍ، وتستصرخ الضمائر الحية قبل العقول المفكرة. لماذا صارت الرياض تتخلى، بل وتنقلب، على من وقف معها حليفًا صادقًا ومتحالفًا وفيًّا ضد المشروع الإيراني الذي لا يخفى على أحد؟ ولماذا بات قطع يد إيران ليس ضرورةً استراتيجيةً ملحةً كما كان بالأمس، بل صارت الضرورة القصوى، والحاجة الماسة، هي أن تُوجّه المدافع والصواريخ، لا إلى طهران وأذنابها، بل إلى من كان يومًا هو اليد التي ضحت وبذلت في قطع يد إيران في عدن ومحافظات الجنوب الصامد؟ لقد صار الحليف البارح خصمًا يُستهدف، وصار العدو المعلن ضيفًا يُستقبل، في مفارقةٍ عجيبةٍ لا يقبلها عقلٌ سليمٌ، ولا يسيغها منطقٌ مستقيمٌ.

وإذا ما أعدنا النظر في حسابات الماضي، وقلبنا صفحات التاريخ القريب، وطرحنا سؤالًا وجوديًّا على أنفسنا: لو أُعيدت في الجنوب الأمور إلى ما كانت عليه قبل عاصفة الحزم، فهل يأمن بعد كل هذا الخذلان أن ثمة تحالفًا عربيًّا يمكن الوثوق به والاطمئنان إليه؟ وهل يمكن الركون إلى مشروعٍ إقليميٍ مهما علا شأنه، بعد أن رأينا كيف أن من ضحى معه بدمائه وأرواحه ومقدراته، يصبح في نهاية المطاف أسهل الأدوات التي يُضحى بها على مذبح التسويات والمصالح العابرة؟ إن الجرح غائرٌ في خاصرة الجنوب، والخذلان مرسومٌ بحروفٍ من نارٍ في ذاكرة أبنائه الذين رأوا أحلامهم تتبخر ودماءهم تذهب هدرًا في متاهات السياسة القذرة.

وهنا يبرز السؤال الأعمق والأكثر إيلامًا: هل استفاد الجنوب درسًا من هذه المأساة، وهو أن المشاريع الوطنية العادلة والقضايا المصيرية المقدسة لا ينبغي لها، بل لا يجوز لها، أن ترتهن بمشاريع إقليميةٍ ضيقة الأفق، لا تؤمن بحقوقه وقضاياه إلا بقدر ما تخدم مصالحها الآنية الضيقة؟ إن التجربة دليلٌ، والواقع شاهدٌ، والتاريخ يسجل بمدادٍ من الدم والدموع أن الرهان على الآخرين رهانٌ خاسرٌ، والاعتماد على الغير ضربٌ من الوهم والسراب. ثم يأتي السؤال الأخير، وهو سؤال العتاب والمحاسبة والتقريع: هل يدرك المتماهون مع المسار السعودي الجديد، وبالأخص أولئك الذين تصدروا المشهد في رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، أو أولئك البناكسة، أن التماهي مرةً أخرى في المشاريع الإقليمية، والذوبان من جديدٍ في أتون المصالح الضيقة، ليس خطأً يُغتفر فحسب، بل هو غباءٌ مستفحلٌ، وحماقةٌ لا ترتكبها إلا العقول التي لم تتعظ من دروس الأمس القريب؟ ألا يستوجب عليهم الواجب أن يتعظوا من هذا كله، وألا يكرروا الخطأ نفسه، وألا يبيعوا قضية شعبهم مرةً أخرى بثمنٍ بخسٍ في سوق النخاسة السياسية؟ إن التاريخ لا يرحم من لا يقرؤونه، والأيام دُوَلٌ، والغدر والخيانة والخذلان صارت هي السمة الغالبة، فهل من مُدَّكِر؟!

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى