مقالات وتحليلات

خالد اليماني : استقرار السعودية وحرية الملاحة يتطلبان عودة دولة الجنوب.. الجنوبيون يسعون إلى حل اتحاد فشل استمرّ لأكثر من ثلاثة عقود

خالد اليماني : استقرار السعودية وحرية الملاحة يتطلبان عودة دولة الجنوب.. الجنوبيون يسعون إلى حل اتحاد فشل استمرّ لأكثر من ثلاثة عقود

كتب | خالد اليماني

في 26 سبتمبر 1962، أطاح انقلاب في اليمن بالإمام محمد البدر، الذي تمكن من الفرار من صنعاء إلى الحدود السعودية. وعلى الفور وصلت القوات المصرية بسرعة لتأمين النظام القومي العربي الجديد، لكن السلطات السعودية رأت في الوجود المصري في صنعاء تهديداً لأمنها القومي وموّلت بقايا الإمامة. ومن جهتها، رأت القاهرة في الإجراءات السعودية مخططاً رجعياً لاحتواء مسعى الرئيس المصري جمال عبد الناصر لنشر القومية العربية.

ورغم أن الروايات الإعلامية آنذاك وصفت الحرب الأهلية اليمنية الجارية حينها بأنها معركة بين الجمهوريين والملكيين، إلا أنها كانت أعقد بكثير، من حيث ان الطرفين سعيا إلى استغلال الولاءات القبلية المتغيرة. بل أنشأ المصريون مكتباً للشؤون القبلية ووزعوا إعانات بلغت في بعض الأحيان عشرات الآلاف من الجنيهات شهرياً.

حرب اليمن اليوم معقدة بالقدر نفسه، حتى وإن كان الدبلوماسيون والصحفيون يختزلونها غالباً في صراع بين فصائل مدعومة من السعودية وإيران.

في إحدى الحكايات الشهيرة من حصار صنعاء 1967–1968، وقف مشايخ قبائل طوق صنعاء مع الحسن حميد وهم ينظرون من قمة جبل نقم إلى صنعاء وهي على وشك الانهيار. وعندما حثّهم الأمير على إنهاء المهمة، طالب المشايخ أولاً بتعجيل وصول المزيد من الذهب السعودي. وفي النهاية فشل الحصار بعد 70 يوماً.

حرب اليمن اليوم معقدة بالقدر نفسه، حتى وإن كان الدبلوماسيون والصحفيون يختزلونها غالباً في صراع بين فصائل مدعومة من السعودية وإيران. وعدم الاعتراف بدوافع اليمنيين الجنوبيين يؤدي بالحكومة المعترف بها دولياً ورئيسها المعيّن سعودياً إلى الفشل في النهاية في القتال ضد الحوثيين. وتصر حكومة الرئيس رشاد العليمي، التي تعمل من منفاها في الرياض، على أن يقاتل الجنوبيون لاستعادة صنعاء نيابة عنها، من دون أي وعد بحق الجنوب في تقرير مصيره. وتستخدم الرياض اللغة نفسها التي يستخدمها وكلاؤها: حوار جنوبي–جنوبي تحت الوصاية السعودية، على أن تنقل نتائجه لموافقة السلطات الشمالية.

مثل هذا النموذج لا ينجح. عندما تستمد حكومة يمنية شرعيتها من مموليها السعوديين لا من شعبها، فإن النتيجة ليست الهدف المعلن للسعودية وهو الأمن على حدودها الجنوبية.

يدعو كثير من الأساتذة والصحفيين الأمريكيين المتخصصين في الشرق الأوسط اليوم إدارة ترامب إلى “معارضة الحركات الانفصالية في دول مثل سوريا واليمن”، رغم أنهم نادراً ما يعترفون بالمنح السعودية أو القطرية أو التركية التي يتلقاها أرباب عملهم ومراكز دراساتهم. وحتى لو عارضت وزارة الخارجية والبيت الأبيض الحكم الذاتي الكردي السوري، والكرد السوريون لم يطالبوا بدولة خاصة بهم، فإن اليمن حالة مختلفة، إذ لم يكن اليمن، بالمعنى السياسي الحديث، دولة واحدة متصلة. لأكثر من قرن تطور شمال اليمن وجنوبه ككيانين سياسيين منفصلين تماماً. أسس البريطانيون مستعمرة في عدن عام 1839. وعندما نال الجنوب استقلاله عام 1967 لم ينضم إلى أي دولة أخرى، بل أصبح دولة ذات سيادة اعترفت بها الولايات المتحدة بعد شهر من إعلانها. واستقبلت الأمم المتحدة اليمن الجنوبي عضواً كامل العضوية في العام نفسه.

عندما توحد شمال اليمن وجنوبه عام 1990، تم ذلك على أساس طوعي. وعندما انهارت تلك الوحدة في عام 1994، سعى الشمال إلى فرض الوحدة بالقوة العسكرية. وكل دعوة إلى “وحدة” يمنية منذ ذلك الحين استندت إلى ذلك الفعل التأسيسي للقوة، لا إلى التفويض الشعبي.

لهذا فإن مطلب الجنوب ليس “انفصالاً”. الجنوبيون لا ينفصلون عن وطن قديم؛ إنهم يسعون إلى حل اتحاد فشل لأكثر من ثلاثة عقود، واستعادة دولة امتلكوها ومارسوا سيادتها. وأفضل التشبيهات هي حالات حل الاتحادات الطوعية بين كيانات كانت مستقلة سابقاً: الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، واتحاد سنغامبيا بين السنغال وغامبيا، وانقسام تشيكوسلوفاكيا إلى دولتين. هذه سوابق للاتحاد والانفصال بين أنداد، وليست تفتيت دولة قومية واحدة.

ان الرئيس دونالد ترامب محق في إنهاء دور الولايات المتحدة كـ«شرطي العالم» لصالح الاعتماد على حلفاء يصوغون شراكات ويتحملون مسؤولية مصالحهم. وفي مثل هذه الحالة، بدلاً من مجرد قبول الإملاءات السعودية التي أعادت الولايات المتحدة إلى حافة الحرب في اليمن، ينبغي لترامب أولاً العمل مع الرياض لإحياء الرباعية الدولية (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والإمارات العربية المتحدة والسعودية) لرسم مسار يعطي الأولوية للقيادة اليمنية ذات القواعد الحقيقية على الأرض.

وينبغي للرباعية بعد ذلك الدعوة إلى مؤتمر دولي حول المسألة اليمنية لحل أزمة الشمال والجنوب على أساس حدود الدولتين عام 1990 لتجنب أي نزاعات أو حاجة إلى ترسيم. وينبغي للرباعية والأمم المتحدة أن تشترطا أي اعتراف بالدولتين الناشئتين عن المؤتمر بالتزامات بعدم الاعتداء على الدول المجاورة والمساهمة معاً في حماية حرية الملاحة.

ان دولة جنوبية مستقرة تسيطر فعلاً على ساحلها من عدن إلى المهرة هي الضامن الأكثر واقعية للأمن في باب المندب وخليج عدن. والحكومة التي تستمد شرعيتها من شعبها لديها حافز مباشر لحماية ذلك المضيق والعمل كشريك أمني وتجاري موثوق. والسعودية بدورها ستكسب جاراً مستقراً متعاوناً، بدلاً من التزام مفتوح بلا نهاية واضحة.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى