في مشهد جماهيري واسع حمل دلالات سياسية ووطنية بارزة، جدد شعب الجنوب العربي تمسكه بقضيته الوطنية وحقه في استعادة دولته الجنوبية الفيدرالية كاملة السيادة، مؤكداً أن سنوات الحرب والأزمات المعيشية والضغوط السياسية لم تنجح في إخماد تطلعاته أو دفعه إلى التخلي عن مشروعه الوطني. فمن العاصمة عدن إلى شبوة وحضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، توحدت الأصوات الجنوبية في ساحات الفعاليات الجماهيرية، بالتزامن مع إحياء الذكرى الثالثة والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة، تحت شعار التعبئة الشعبية العامة للدفاع عن الجنوب وقضيته الوطنية.
وعكست الحشود التي شهدتها مختلف المحافظات الجنوبية حضوراً شعبياً لافتاً، حمل رسائل متعددة إلى الداخل والخارج، في مقدمتها التأكيد على أن قضية الجنوب لا تزال حاضرة في وجدان أبنائه، وأن المطالبة باستعادة الدولة لم تعد مجرد شعار ترفعه القوى السياسية في المناسبات، بل أصبحت تعبيراً عن تطلعات قطاع واسع من المجتمع إلى مستقبل سياسي يضمن له حقه في تقرير مصيره، وإدارة شؤونه، وصون هويته الوطنية، وبناء مؤسساته على أسس من السيادة والعدالة والاستقرار.
وفي العاصمة عدن، احتضنت ساحة العروض بمديرية خورمكسر حشداً جماهيرياً كبيراً، استعاد من خلاله المشاركون رمزية المدينة بوصفها مركزاً سياسياً ووطنياً للقضية الجنوبية، ومسرحاً لمحطات مفصلية من تاريخ النضال الجنوبي. وجاءت المشاركة الجماهيرية لتؤكد تمسك أبناء عدن بمطالبهم الوطنية، وتعبيرهم عن رفض استمرار الأوضاع التي أثقلت كاهل المواطنين، في ظل تراجع الخدمات الأساسية، وانقطاع الرواتب، وارتفاع الأسعار، وتدهور القدرة الشرائية، وما خلفته الأزمات الاقتصادية المتراكمة من معاناة يومية تمس مختلف شرائح المجتمع.
وامتدت أصداء الحراك الجماهيري إلى محافظة شبوة، حيث شهدت مدينة عتق حضوراً شعبياً عكس تمسك أبناء المحافظة بمطالب الجنوب الوطنية، فيما احتضنت مدينتا سيئون والمكلا في حضرموت فعاليات أكدت أهمية مشاركة المحافظة في صياغة مستقبل الجنوب، وضرورة احترام إرادة أبنائها وتطلعاتهم السياسية. وفي المهرة، عبرت الحشود في مدينة الغيضة عن حضور المحافظة في المشهد الوطني الجنوبي، بينما شهدت حديبو في أرخبيل سقطرى مشاركة جسدت ارتباط أبناء الأرخبيل بقضيتهم الوطنية وحرصهم على أن يكون لهم دور فاعل في تحديد مستقبلهم.
وتكشف هذه الفعاليات، الممتدة من أقصى الشرق الجنوبي إلى العاصمة عدن، عن محاولة شعبية لتأكيد وحدة القضية وتعدد ساحات التعبير عنها، بعيداً عن اختزالها في مدينة واحدة أو منطقة بعينها. فالرسالة التي حملتها الحشود تتمثل في أن الجنوب، بتنوع محافظاته ومناطقه ومكوناته الاجتماعية، يمتلك قضية سياسية تتطلب معالجة جادة، وأن أي تسوية مستقبلية لا يمكن أن تكتسب استقراراً حقيقياً ما لم تأخذ في الحسبان تطلعات أبنائه، وتحترم حقهم في المشاركة في تقرير شكل الدولة التي يريدونها ومستقبل العلاقة السياسية التي يختارونها.
وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية بالنظر إلى الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها المواطنون، إذ جاءت المشاركة الجماهيرية في وقت تتواصل فيه معاناة الأسر من ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع الخدمات الأساسية وتأخر المرتبات، فضلاً عن اتساع الفجوة بين احتياجات المواطنين والإمكانات المتاحة لتلبية تلك الاحتياجات. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحضور الشعبي تعبيراً عن مطالب تتجاوز الشعارات السياسية إلى البحث عن واقع أكثر استقراراً، تتوافر فيه الخدمات وفرص العمل ومصادر الدخل، وتُصان فيه كرامة المواطن وحقوقه الأساسية.
ويرى أنصار القضية الجنوبية أن استمرار الأزمات المعيشية، إلى جانب الضغوط السياسية والإعلامية، يضع المجتمع أمام اختبار صعب، لكنه لا يلغي المطالب الوطنية التي ظلت حاضرة على امتداد السنوات الماضية. ويؤكد هؤلاء أن معالجة الأوضاع الاقتصادية والخدمية لا ينبغي أن تكون منفصلة عن البحث عن حلول سياسية عادلة، وأن استقرار الجنوب يتطلب مساراً واضحاً يستجيب لتطلعات أبنائه، بدلاً من إبقاء الأوضاع مفتوحة على الأزمات والتجاذبات التي يدفع المواطن العادي ثمنها بصورة مباشرة.
وفي هذا السياق، حملت الحشود رسالة مفادها أن المعاناة الاقتصادية، مهما اشتدت، لا تعني بالضرورة تراجع الاهتمام بالقضية الوطنية، بل قد تزيد من إلحاح المطالبة بإيجاد حلول جذرية للأزمات المتراكمة. فالمواطن الذي ينتظر راتبه، ويواجه انقطاع الكهرباء والمياه، ويتحمل ارتفاع أسعار الغذاء والاحتياجات الأساسية، لا يبحث عن شعارات جديدة بقدر ما يتطلع إلى واقع يحفظ له حقوقه ويوفر له مقومات الحياة الكريمة. ومن هنا، تبرز أهمية تحويل الزخم الشعبي إلى عمل سياسي ومؤسسي قادر على ترجمة المطالب إلى برامج واقعية وخطوات ملموسة.
وتحضر ثورة الرابع عشر من أكتوبر في هذا المشهد بوصفها محطة تاريخية تستدعي معاني التحرر والإرادة الشعبية والتضحيات التي صنعت تحولات كبرى في تاريخ الجنوب. فإحياء ذكراها الثالثة والستين لا يقتصر على استحضار أحداث الماضي، وإنما يمثل مناسبة لربط الذاكرة الوطنية بالتحديات الراهنة، واستلهام قيم التضامن والمسؤولية والعمل المشترك في مواجهة الأزمات. كما تمنح هذه الذكرى الفعاليات الجماهيرية بعداً رمزياً، إذ تتقاطع دلالات الثورة التاريخية مع المطالب المعاصرة المتعلقة بالهوية والحقوق السياسية ومستقبل الدولة.
وفي ظل هذا الحضور، يبرز ملف استعادة الدولة الجنوبية الفيدرالية كاملة السيادة باعتباره أحد أبرز المطالب التي يرفعها أنصار القضية الجنوبية، مع تأكيدهم أهمية بناء دولة تقوم على المؤسسات وسيادة القانون، وتضمن المشاركة السياسية والعدالة في توزيع الثروة والسلطة، وتحفظ حقوق المحافظات والمناطق المختلفة. ويظل الحديث عن الفيدرالية مرتبطاً، في هذا التصور، بضرورة إيجاد صيغة تضمن الشراكة وتحول دون تركز القرار والثروة في يد جهة واحدة، وتمنح أبناء الجنوب القدرة على إدارة شؤونهم ضمن منظومة مؤسسية مستقرة.
لكن حجم الحشود وحده لا يكفي لتحقيق هذه التطلعات؛ إذ تظل التحديات الحقيقية مرتبطة بقدرة القوى السياسية والاجتماعية على إدارة الاختلافات، وتوحيد الأولويات، وتقديم رؤية واضحة للمستقبل. كما أن حماية المكتسبات الوطنية تتطلب الالتزام بالعمل السلمي المسؤول، وتعزيز الحوار بين مختلف الأطراف الجنوبية، وتغليب المصالح العامة على الحسابات الضيقة، بما يحافظ على التماسك الاجتماعي ويمنع تحويل التباينات السياسية إلى عوامل انقسام تضعف قدرة المجتمع على مواجهة أزماته.
ومن جهة أخرى، أعادت الفعاليات التأكيد على أهمية دعم القوات المسلحة الجنوبية والأجهزة الأمنية في أداء مهامها الدفاعية والأمنية، ولا سيما في ظل المخاوف المرتبطة بالتطورات العسكرية والتهديدات التي تستهدف مناطق الجنوب. ويؤكد هذا الجانب من المشهد أن الأمن والاستقرار يمثلان شرطين أساسيين لحماية حياة المواطنين واستمرار المؤسسات والخدمات، وأن أي جهود للدفاع عن الأرض ينبغي أن تقترن بالانضباط واحترام القانون وحماية المدنيين، مع ضرورة تجنيب المجتمع مزيداً من المواجهات التي قد تزيد من أعبائه الإنسانية والاقتصادية.
كما تضع هذه الحشود الأطراف السياسية والإقليمية والدولية أمام مسؤولية التعامل بجدية مع المطالب الجنوبية، وعدم الاكتفاء بإدارة الأزمات بصورة مؤقتة. فالتجارب الممتدة مع الصراعات أثبتت أن تجاهل القضايا السياسية الأساسية لا يؤدي إلى إنهائها، بل قد يتركها مفتوحة على دورات جديدة من التوتر وعدم الاستقرار. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية أي مسار سياسي يقوم على الحوار الجاد، والاعتراف بتعدد المطالب، واحترام إرادة المواطنين، والبحث عن حلول عادلة ومستدامة تحظى بقبول الأطراف المعنية.
إن الرسالة الأبرز التي حملتها الفعاليات من عدن إلى شبوة وحضرموت والمهرة وسقطرى تتمثل في استمرار حضور القضية الجنوبية في المشهد العام، رغم ما يواجهه المواطنون من ظروف اقتصادية قاسية وتحديات سياسية وأمنية معقدة. وهي رسالة تؤكد أن التعامل مع مستقبل الجنوب يتطلب تجاوز الحلول المؤقتة، والانتقال إلى معالجة الأسباب العميقة للأزمات، بما يشمل تحسين الخدمات، وصرف المرتبات، ومكافحة الفساد، وتوفير فرص العمل، وتعزيز مؤسسات الحكم، وفتح المجال أمام مسار سياسي يستجيب لتطلعات المجتمع.
وبين رمزية ثورة أكتوبر وما تحمله من ذاكرة وطنية، وواقع معيشي يفرض تحديات يومية على ملايين المواطنين، تتجدد الأسئلة بشأن الطريق الذي ينبغي أن يسلكه الجنوب نحو مستقبل أكثر استقراراً. فالحشود الجماهيرية تمنح المطالب حضوراً سياسياً، لكنها تضع في الوقت ذاته مسؤوليات إضافية على القوى التي تتحدث باسم القضية، وفي مقدمتها تقديم رؤية قابلة للتنفيذ، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وضمان أن تكون حقوق المواطنين واحتياجاتهم في صدارة الأولويات.
وهكذا، جاء المشهد الجماهيري من عدن إلى المهرة وسقطرى ليؤكد أن القضية الجنوبية ما تزال حاضرة بقوة في حسابات الشارع، وأن إرادة التعبير عن المطالب الوطنية لم تتراجع رغم تراكم الأزمات. وبين التمسك بحق تقرير المصير، والمطالبة باستعادة الدولة، والبحث عن حياة كريمة وخدمات مستقرة، يظل التحدي الأكبر هو تحويل هذا الحضور الشعبي إلى خطوات سياسية ومؤسسية مسؤولة، تفتح الطريق أمام مستقبل يختاره أبناء الجنوب بإرادتهم، ويقوم على السلام والاستقرار والعدالة واحترام الحقوق.
#مليونيه_التعبيه_والاستنفار_الجنوبي
زر الذهاب إلى الأعلى