تتجه الأنظار نحو تطورات المشهد السياسي في الجنوب العربي، وسط حديث عن اتصالات سياسية غير معلنة تستهدف استطلاع موقف القيادة السعودية من مستقبل العلاقة مع المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، وإمكانية فتح صفحة جديدة في التعامل مع المجلس ورئيسه الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، بما في ذلك بحث مسألة عودته إلى المشهد السياسي من جديد، في تطور يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، وحقيقة التحولات التي قد تشهدها الحسابات الإقليمية تجاه قضية شعب الجنوب العربي.
وتأتي هذه التحركات في توقيت بالغ الحساسية، تتشابك فيه الملفات العسكرية والسياسية والأمنية، مع تصاعد التحديات المرتبطة بالتهديدات الحوثية، وتزايد أهمية الجنوب في معادلة الأمن والاستقرار الإقليمي، خصوصًا في ظل موقعه الجغرافي الاستراتيجي المطل على خليج عدن وباب المندب، وما يمثله من أهمية بالغة لحماية خطوط الملاحة الدولية وتأمين حركة التجارة العالمية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو العلاقة بين الرياض والمجلس الانتقالي أمام اختبار سياسي حقيقي، تتجاوز أبعاده مسألة التواصل بين القيادات إلى مستقبل التعامل مع قضية الجنوب وتطلعات شعبه السياسية والوطنية.
ويكتسب الحديث عن الاتصالات أهمية إضافية في ضوء الخطاب السياسي الذي ألقاه الرئيس عيدروس الزُبيدي مساء الثلاثاء، والذي حمل رسائل واضحة بشأن تمسك القيادة الجنوبية بمشروع استعادة دولة الجنوب العربي، والتأكيد على أن القضية الجنوبية ليست ملفًا ثانويًا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية، ولا ورقة قابلة للمساومة وفقًا لمتغيرات المصالح الإقليمية، بل قضية وطنية ترتبط بإرادة شعب وتطلعاته إلى تقرير مصيره وبناء مستقبله السياسي على أسس واضحة.
وقد عكس الخطاب، وفق ما تضمنه من مواقف ومطالب، إصرارًا على وضع القضية الجنوبية في صدارة أي تحركات سياسية مقبلة، من خلال الدعوة إلى الاعتراف بالإعلان الدستوري والبيان السياسي الصادرين في الثاني من يناير 2026، ومطالبة الأطراف الإقليمية والدولية بالتعامل مع تطلعات شعب الجنوب باعتبارها استحقاقًا سياسيًا يستوجب المعالجة الجادة، وليس مجرد عنوان يُستحضر عند الحاجة ثم يُترك خارج حسابات التسويات الكبرى.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية أي اتصالات محتملة بين الرياض والمجلس الانتقالي، ليس من زاوية إمكانية عودة الرئيس الزُبيدي وحدها، وإنما من زاوية ما يمكن أن تحمله هذه الاتصالات من مؤشرات على طبيعة المرحلة المقبلة، ومدى استعداد الأطراف المعنية لإعادة تقييم مواقفها تجاه الجنوب العربي، والتعامل مع قيادته السياسية بوصفها طرفًا حاضرًا في المعادلة، يمتلك قاعدة شعبية وتصورًا سياسيًا لمستقبل القضية الجنوبية.
فالعودة، إن جرى التوصل إليها ضمن تفاهمات سياسية واضحة، لن تكون مجرد حدث بروتوكولي أو تطور مرتبط بشخصية سياسية بعينها، بل ستكتسب أهميتها من السياق الذي تتم فيه، والضمانات التي قد ترافقها، والنتائج التي يمكن أن تترتب عليها. أما إذا اقتصرت المسألة على ترتيبات مؤقتة لا تمس جوهر القضية الجنوبية، فإنها ستظل خطوة محدودة الأثر، لا تجيب عن الأسئلة الأساسية المتعلقة بمستقبل الجنوب وحق شعبه في تقرير مصيره.
ومن هنا، فإن الرهان الجنوبي لا ينبغي أن ينحصر في فتح قنوات التواصل أو تجاوز الخلافات السياسية الراهنة، بل في تحويل أي حراك دبلوماسي إلى مسار جاد يعالج جذور الأزمة، ويؤسس لعلاقة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والاعتراف بالخصوصية السياسية للقضية الجنوبية. فالتجارب السابقة أظهرت أن الاتصالات وحدها لا تصنع التحولات، وأن قيمة أي تفاهم تقاس بما يحققه على أرض الواقع، وبمدى قدرته على توفير ضمانات واضحة تمنع إعادة إنتاج الأزمات نفسها بأشكال مختلفة.
وفي المقابل، تفرض التحديات الأمنية المتصاعدة نفسها على المشهد، مع استمرار المخاوف المرتبطة بالتهديدات الحوثية وما قد تتركه من انعكاسات على أمن المنطقة والممرات البحرية. وقد أكد الرئيس الزُبيدي، في مواقفه المعلنة، أهمية التعبئة الشعبية العامة والاستعداد لمواجهة التهديدات التي تستهدف الجنوب، بالتوازي مع التأكيد على التزام القوات الجنوبية بأمن الملاحة الدولية واستقرار المنطقة، وإدانة الهجمات التي تستهدف المملكة العربية السعودية.
وتكشف هذه المواقف عن محاولة للجمع بين مسارين متلازمين؛ أولهما تعزيز الجاهزية لحماية الجنوب من المخاطر الأمنية والعسكرية، وثانيهما إبقاء الباب مفتوحًا أمام مقاربة سياسية ودبلوماسية تضمن عدم تهميش القضية الجنوبية في أي ترتيبات إقليمية أو دولية. وهي معادلة تضع الجنوب أمام مسؤولية حماية مكتسباته، وفي الوقت نفسه تفرض على الأطراف الإقليمية إدراك أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يقوم على تجاهل تطلعات الشعوب أو تجاوز القوى التي تمتلك حضورًا فعليًا على الأرض.
كما أن موقع الجنوب الجغرافي وأهمية دوره في حماية الملاحة الدولية يمنحان قضيته أبعادًا تتجاوز الإطار المحلي، فالأمن في باب المندب وخليج عدن يرتبط بصورة مباشرة باستقرار المنطقة وسلامة خطوط التجارة والطاقة. ومن هذا المنطلق، فإن أي مقاربة سياسية تسعى إلى بناء استقرار مستدام مطالبة بالنظر إلى الجنوب باعتباره طرفًا أساسيًا في معادلة الأمن الإقليمي، لا مجرد ساحة تتقاطع فوقها حسابات الآخرين.
وتبقى الرياض أمام جملة من الأسئلة السياسية التي ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة: هل تتجه نحو إعادة فتح قنوات التواصل مع المجلس الانتقالي على أسس جديدة؟ وهل يمكن أن تقود الاتصالات المتداولة إلى تفاهمات تتجاوز الخلافات الراهنة وتفتح المجال أمام معالجة أكثر شمولًا للقضية الجنوبية؟ أم أن التحركات لا تزال في إطار جس النبض واستكشاف المواقف، دون الوصول إلى اتفاقات نهائية بشأن العودة أو مستقبل العلاقة؟
حتى الآن، لا يكفي الحديث عن الاتصالات وحده للجزم بوجود اتفاق مكتمل أو قرار نهائي بشأن عودة الرئيس الزُبيدي، كما أن فتح قنوات التواصل، إن تأكد، لا يعني بالضرورة حدوث تحول شامل في المواقف السياسية. غير أن مجرد تداول هذه الاحتمالات يعيد ملف العلاقة بين الرياض والجنوب إلى دائرة الاهتمام، ويطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الخيارات المتاحة أمام الأطراف المعنية في ظل المتغيرات الراهنة.
وبالنسبة إلى الشارع الجنوبي، فإن معيار النجاح لن يكون في حجم التصريحات أو طبيعة اللقاءات خلف الأبواب المغلقة، بل في النتائج السياسية التي يمكن أن تترجم إلى خطوات عملية تحترم إرادة الشعب الجنوبي، وتضمن حضور قضيته في أي حوار أو تسوية، وتمنع تحويل التضحيات التي قدمها إلى أوراق تفاوضية لا تحقق أهدافها الوطنية.
وفي المحصلة، تقف العلاقة بين الرياض والمجلس الانتقالي أمام مفترق طرق مهم؛ فإما أن تقود الاتصالات المحتملة إلى بناء مسار سياسي جديد يتعامل بواقعية مع القضية الجنوبية ويفتح المجال أمام تفاهمات أكثر استقرارًا، وإما أن تبقى التحركات محصورة في ترتيبات مؤقتة لا تمس جوهر الخلاف. وبين الاحتمالين، يتمسك الجنوب العربي بقضيته الوطنية، فيما تبقى الأنظار معلقة بما ستكشف عنه الأيام المقبلة من مواقف وخطوات عملية.
إن عودة الرئيس عيدروس الزُبيدي، إذا تحولت من احتمال متداول إلى واقع سياسي، ستكون أهميتها الحقيقية مرتبطة بما إذا كانت ستشكل مدخلًا لمعالجة القضية الجنوبية بصورة جادة، لا مجرد استعادة قناة تواصل أو تسوية ظرفية. فالقضايا الوطنية الكبرى لا تحسمها الاتصالات وحدها، وإنما تحسمها الإرادة السياسية، والضمانات الواضحة، والاعتراف بالحقوق، والقدرة على الانتقال من إدارة الخلاف إلى معالجة أسبابه.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم لم يعد متعلقًا بإمكانية العودة وحدها، بل بما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تحولًا حقيقيًا في طريقة التعاطي مع الجنوب العربي وقضيته، بما يفتح الطريق أمام سلام أكثر استقرارًا وتسوية سياسية تستند إلى واقع الأرض وإرادة الشعب.
زر الذهاب إلى الأعلى