مقالات وتحليلات

اجتماع طهران ومعادلة الأمن الإقليمي

اجتماع طهران ومعادلة الأمن الإقليمي

 

كتب / عبدالكريم أحمد سعيد

تفتح التحركات الدبلوماسية التي تشهدها المنطقة، وفي مقدمتها اجتماع طهران بمشاركة السعودية وتركيا وباكستان وإيران، المجال أمام قراءة أعمق لمستقبل التوازنات الإقليمية واتجاهات إدارة الصراعات. فالحوار بين أطراف تتباين مصالحها وحساباتها الاستراتيجية يعكس إدراكاً متزايداً لتكلفة المواجهات المفتوحة، والحاجة إلى مقاربات سياسية تحد من التهديدات وتعيد ترتيب العلاقات الإقليمية. غير أن القيمة الحقيقية لهذه التحركات ستتحدد بمدى قدرتها على معالجة جذور الأزمات، وليس الاكتفاء بإدارة تداعياتها الأمنية.

وتحتل المملكة العربية السعودية موقعاً محورياً في هذه المعادلة، بحكم ثقلها الاقتصادي ومكانتها الإقليمية، وارتباط أمنها باستقرار شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر والخليج. ومن الطبيعي أن تسعى الرياض إلى توسيع قنوات التواصل وتوظيف الدبلوماسية لاحتواء المخاطر وحماية مصالحها الاستراتيجية. إلا أن نجاح أي مقاربة إقليمية سيظل مرتبطاً بقدرتها على التعامل مع مصادر التوتر بصورة شاملة، بما في ذلك القضايا السياسية التي ظلت أسباباً جوهرية لعدم الاستقرار، ولم تعد معالجتها قابلة للفصل عن الحسابات الأمنية الأوسع.

وفي هذا السياق، تبرز قضية شعب الجنوب باعتبارها قضية سياسية وطنية ذات جذور تاريخية وأبعاد استراتيجية، وليست مجرد ملف أمني أو مسألة ثانوية يمكن إرجاؤها إلى ما بعد التفاهمات الإقليمية. فأي ترتيبات جديدة للأمن والاستقرار في المنطقة ستظل محدودة الأثر ما لم تأخذ في الحسبان إرادة شعب الجنوب وتطلعاته السياسية وحقه في تقرير مستقبله. ولهذا فإن أي تسوية سياسية قادمة تتطلب التعامل مع قضية شعب الجنوب باعتبارها استحقاقاً سياسياً قائماً بذاته، يستوجب معالجة واضحة وعادلة، بعيداً عن محاولات اختزالها في الاعتبارات الأمنية أو إخضاعها لمقتضيات التوازنات بين القوى الإقليمية.

وتزداد هذه القضية أهمية بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للجنوب العربي المطل على خليج عدن وبحر العرب ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة الدولية. فهذا الموقع يجعل استقرار الجنوب جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي والدولي، ويمنح شعبه ومؤسساته السياسية أهمية تتجاوز الحدود الجغرافية. كما أن اضطراب الملاحة البحرية والتنافس على النفوذ في المنطقة يبرزان الحاجة إلى مقاربة تستند إلى الاستقرار السياسي، وتتعامل مع الجنوب بوصفه طرفاً معنياً بمستقبل هذه المنطقة، لا مجرد ساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين.

ومن هنا، فإن أمن المملكة العربية السعودية ومصالحها الاستراتيجية لا ينبغي النظر إليهما بمعزل عن مستقبل الجنوب واستقراره السياسي. فالمعالجة المستدامة لمصادر التوتر تتطلب التمييز بين التفاهمات الأمنية المؤقتة والحلول السياسية التي تعالج أسباب الصراع. إن احترام الإرادة السياسية للشعوب المعنية يمثل عنصراً ضرورياً في بناء استقرار طويل الأمد، ويحد من احتمالات عودة الأزمات بأشكال جديدة.

إن بناء علاقات متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في القرار السياسي يمكن أن يفتح المجال أمام ترتيبات أكثر استقراراً في مجالات أمن الحدود والممرات البحرية ومكافحة التهديدات العابرة للحدود والتعاون الاقتصادي. ويقتضي ذلك التعامل مع المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس القائد عيدرورس الزبيدي، بوصفه طرفاً سياسياً رئيسياً في أي مسار يتناول مستقبل الجنوب، بما يضمن حضور قضيته في التفاهمات ذات الصلة. غير أن تحقيق هذه المصالح يتطلب وضوحاً في طبيعة العلاقة، وإقراراً بأن الاستقرار المستدام لا يُبنى على الوصاية أو فرض الخيارات، بل على تفاهمات تحترم الأطراف المعنية وحقوقها السياسية.

وفي المحصلة، يشكل اجتماع طهران مناسبة لإعادة تقييم اتجاهات الأمن الإقليمي، لكنه لا يكفي وحده للحكم بحدوث تحول استراتيجي مكتمل. فالاختبار الحقيقي يكمن في قدرة التحركات الدبلوماسية على الانتقال من احتواء التوترات إلى معالجة أسبابها، ومن التفاهمات الأمنية إلى حلول سياسية أكثر شمولاً. وفي هذا السياق، فإن قضية شعب الجنوب ليست خارج معادلة الاستقرار الإقليمي، بل أحد الملفات التي ستؤثر معالجتها في مستقبل الأمن والملاحة والعلاقات السياسية في المنطقة. وكلما استندت المقاربات الإقليمية إلى الاعتراف بهذه الحقيقة، واحترام الإرادة السياسية لشعب الجنوب، ازدادت فرص بناء استقرار أكثر رسوخاً، قائم على المصالح المتبادلة والتسويات السياسية العادلة، لا على تأجيل القضايا الجوهرية أو تجاوز أصحابها.

عبدالكريم أحمد سعيد

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى