مقالات وتحليلات

التفرد بالقرار خيانة للشراكة وطعنة في ظهر الجنوب

التفرد بالقرار خيانة للشراكة وطعنة في ظهر الجنوب

كتب/أصيل هاشم 

لم تعد محاولات الالتفاف على الشراكة الوطنية خافية على أحد، ولم يعد الصمت مقبولًا أمام سلوك سياسي متهور يسعى لإدارة الدولة بعقلية الاستحواذ والتفرد، وكأن تضحيات الشهداء ودماء الأبطال مجرد أرقام في الهامش. ما يجري اليوم هو اختبار حقيقي لمعنى الشرعية، وهل هي عقد جماعي يحترم التوافق، أم أداة بيد فرد أو تيار لتصفية الحسابات وفرض الأجندات الحزبية الضيقة.

إن أي قرارات تُتخذ خارج إطار التوافق داخل مجلس القيادة الرئاسي ليست فقط فاقدة للشرعية السياسية، بل تمثل طعنًا مباشرًا في الأسس التي قام عليها إعلان نقل السلطة. فالمجلس لم يُنشأ ليكون واجهة شكلية، ولا ليُختزل في إرادة شخص واحد، بل كصيغة شراكة وطنية لإدارة مرحلة استثنائية تتطلب أعلى درجات المسؤولية، لا نزوات فردية تقود البلاد نحو الانقسام والانهيار.

محاولات شيطنة دولة الإمارات العربية المتحدة تكشف إفلاسًا أخلاقيًا وسياسيًا لا يمكن تغليفه بخطابات انفعالية أو بيانات مرتجلة. فالإمارات لم تكن يومًا عبئًا على الجنوب ولا على معركة استعادة الدولة، بل كانت شريكًا صادقًا في ميادين القتال، وحليفًا حقيقيًا في مكافحة الإرهاب، وداعمًا رئيسيًا لأمن الملاحة الدولية واستقرار المحافظات المحررة. هذا الدور المشهود لا يمكن محوه بحملات تشويه رخيصة تخدم خصوم الجنوب وأعداء المنطقة.

إن استهداف الشريك الصادق لا يعبّر عن شجاعة سياسية، بل عن تهور خطير يفتح الأبواب أمام المليشيات وقوى الظلام، ويمنح أعداء الجنوب انتصارًا مجانيًا دون طلقة واحدة. ومن يظن أن بإمكانه إعادة صياغة التحالفات بقرارات أحادية إنما يراهن على الوهم، لأن التحالفات الحقيقية تُبنى على الدم والتضحيات، لا على المزاج السياسي المتقلب.

لقد أثبت شعب الجنوب العربي، من عدن إلى حضرموت، ومن المهرة إلى شبوة، أنه رقم صعب لا يمكن تجاوزه، وأنه لن يسمح بتكرار سيناريوهات التهميش والإقصاء التي عانى منها لعقود. المليونيات الشعبية، وآخرها في المهرة بوابة الجنوب الشرقية، لم تكن مجرد حشود عاطفية، بل رسائل سياسية واضحة: الجنوب ماضٍ نحو استعادة دولته، والتفويض الشعبي ليس شعارًا، بل عقد ثقة لا يقبل العبث أو الالتفاف.

إدارة الدولة بعقلية الفرد الواحد هي وصفة جاهزة للفشل، والتاريخ القريب شاهد على كلفة هذا النهج الكارثية. الدولة الحقيقية لا تُدار بالأوامر الفوقية ولا بالقرارات المفاجئة، بل بالتوافق، واحترام الشراكات، والاعتراف بتضحيات الحلفاء الميدانيين الذين كانوا في الصفوف الأولى حين غاب أصحاب البيانات عن ساحات المواجهة.

إن أي مساس بالعلاقات الاستراتيجية مع شركاء النصر دون توافق وطني هو قرار باطل قانونيًا وفاشل سياسيًا، ويمثل مقامرة غير محسوبة بمصير المرحلة برمتها. الشرعية ليست ملكًا خاصًا، ولا شيكًا على بياض، بل مسؤولية جماعية، ومن يفرّط بها أو يستخدمها كسلاح ضد شركائه إنما يهدم ما تبقى من الثقة ويقود إلى عزلة داخلية وخارجية.

اليوم، الجنوب العربي يقف أكثر وعيًا وصلابة من أي وقت مضى. قواته تحمي الأرض، وشعبه يحرس الهوية، وقيادته تدرك أن وحدة الصف والتوافق السياسي هما خط الدفاع الأول في مواجهة المشاريع التدميرية. أما محاولات زرع الفتن وضرب التحالفات فلن تجلب لأصحابها سوى الفشل والخزي السياسي.

إن الرسالة واضحة لا لبس فيها: لا سلطة مطلقة لأحد، ولا مكان لسياسات التفرد، ولا مستقبل لمشروع يتجاهل إرادة الشعب وتضحيات الشهداء. الجنوب ماضٍ في طريقه، وشراكته مع الإمارات ثابت وطني لا يقبل المساومة، والتاريخ لن يرحم من اختار أن يقف في الضفة الخطأ من المعركة.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى