تقـــارير

الإعلان الدستوري: حين يكتب الشعب الجنوبي مسودة استقلاله بالثبات

الإعلان الدستوري: حين يكتب الشعب الجنوبي مسودة استقلاله بالثبات

صوت الضالع/ حافظ الشجيفي

تأتي اللحظات الفاصلة في عمر الشعوب لتضع الإرادة الجماهيرية وجها لوجه أمام استحقاقات القدر، وحين تدق ساعة الحقيقة في ساحة العروض بخورمكسر عصر يوم غد الجمعة، فإننا لن نكون بصدد تظاهرة عادية أو احتشاد تمليه الضرورة الإجرائية، بل نكون أمام تجسيد حي لعبقرية الصمود التي تسكن وجدان الشعب الجنوبي،الذي أثبت عبر منعطفات التاريخ المعاصر أنه لا يستكين ولا يقبل بغير السيادة بديلا، فالقضية هنا تتجاوز حدود الهتاف لتصل إلى جوهر الوجود السياسي والكياني، حيث يخرج الناس عن بكرة أبيهم استجابة لنداء القيادة الجنوبية المتمثلة في المجلس الانتقالي، تأكيدا على شرعية الإعلان الدستوري الذي لم يكن مجرد صياغة قانونية جامدة، بل كان إفصاحا عن إرادة جمعية عارمة ضاقت ذرعا بمحاولات الإبقاء على الجنوب تحت نير التبعية والهيمنة، وهي المحاولات التي تغذيها قوى إقليمية ودولية توهمت أن بإمكانها رهن مستقبل شعب بأكمله لحسابات موازين القوى المتقلبة، غافلة عن حقيقة أن إرادة الشعوب الحرة هي الثابت الوحيد في معادلة الصراع، وأن الضغوط مهما تعاظمت لا تزيد المعادن الأصيلة إلا صلابة وقدرة على المواجهة والمشهد الذي تستعد عدن لاحتضانه يوم غدا يمثل رسالة بالغة الدلالة إلى كل من يراهن على نفاذ الصبر أو اضمحلال العزيمة، فالمراهنة على تعب الشعوب هي رهانات خاسرة في منطق التاريخ، ولعل القراءة المتأنية لمسيرة النضال الجنوبي تكشف بوضوح أن الثورة ليست خطا مستقيما يسير بيسر نحو غاياته، بل هي مسار متعرج ومنحني تارة يصعد نحو ذرى المجد وتارة يواجه عثرات الواقع المعقد، وبقدر ما يكون الهدف عظيما ومقدسا مثل الاستقلال واستعادة الدولة الجنوبية على حدود ما قبل عام 1990، تكون التحديات والمؤامرات جسيمة وشاقة، غير أن هذا التعرج في الخط البياني للثورة لا يعني التراجع بل هو إعادة حشد للقوى واستجماع للأنفاس، فالشعوب الحية التي تدرك قيمة كرامتها لا تتوقف إلا في محطة الوصول النهائي، والجنوب اليوم يبرهن للعالم أجمع أن سقف مطالبه لم يعد يقبل القسمة على حلول وسط أو تسويات مهينة، فالمعادلة باتت واضحة لا لبس فيها، إما الاستقلال الذي يحفظ الهوية والسيادة، وإما الموت في سبيل هذا الحق الذي لا يسقط بالتقادم.

حيث تكتسب المليونية المرتقبة أهميتها من كونها ردا عمليا وحاسما على كل من حاول الالتفاف على المنجزات الوطنية، وهي دعوة لكل جنوبي حر بأن يضع بصمته في سجل الخلود، فالنضال الذي نخوض غماره ليس نمطا واحدا جامدا، بل هو نضال يتشكل وفق مقتضيات المرحلة، يلبس رداء السلمية حين تكون الحجة والكلمة هي السلاح، ويتحول إلى كفاح مسلح حين تفرض الضرورة حماية الأرض والعرض، فنحن لن نترك وسيلة من وسائل الحق إلا وسنجترحها، ولا أداة من أدوات الفعل السياسي والميداني إلا وسنستخدمها، مدفوعين بإيمان مطلق بأن الحقوق لا توهب بل تنتزع، وأن الدول التي تفرط في سيادتها تفقد مبرر وجودها، ومن هنا يتجلى التمسك بالإعلان الدستوري كحجر زاوية في بناء الدولة المنشودة، كونه التعبير القانوني الأرقى عن طموحات شعب قرر أن يمسك بزمام أمره بنفسه، رافضا كل أشكال الوصاية التي تحاول القوى الخارجية فرضها تحت مسميات واهية لا تخدم سوى استمرار حالة الارتهان والضياع.

فالعقلانية السياسية تقتضي منا إدراك أن الطريق محفوف بالمخاطر، وأن الخصوم لا يتركون مواقع نفوذهم بسهولة، لكن المنطق الفلسفي للتاريخ يؤكد أن القوة المادية مهما بلغت سطوتها لا يمكنها كسر إرادة إنسان يؤمن بأن كرامته هي أغلى ما يملك، وجمعة الغد هي الاختبار الحقيقي لهذا الإيمان، حيث تتلاحم الجماهير في ساحة الاعتصام لتعلن للعالم أن العزيمة لم تتراجع وأن الإرادة لم تكل، بل إنها تزداد اتقادا كلما اشتدت المحن، فنحن أمام شعب يكتب تاريخه بمداد من التضحية، ولا ينظر إلى الوراء إلا ليستمد القوة من إرثه النضالي الطويل، مؤكدا أن العودة إلى وضع التبعية أصبحت من مستحيلات الزمن، وأن الفجر الذي يلوح في أفق الجنوب هو فجر الاستقلال الذي لا رجعة عنه، مهما بلغت التضحيات ومهما تكالبت القوى التي تريد وأد هذا الحق في مهد الإرادة الشعبية الجبارة.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى