تقـــارير

عدن خارج الحسابات المفروضة: مأزق بين التحذيرات الدولية والغضب الجنوبي

عدن خارج الحسابات المفروضة: مأزق بين التحذيرات الدولية والغضب الجنوبي

صوت الضالع / عين الجنوب:

كشفت تسريبات سياسية حساسة من كواليس القرار في الرياض عن مأزق حقيقي ومعقّد تعيشه المملكة، بعد فشلها في فرض عودة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إلى العاصمة عدن، في ظل تحذيرات غربية صارمة تؤكد أن الإقدام على هذه الخطوة قد يفتح أبواب مواجهة عسكرية واسعة، ويدفع بالوضع الأمني نحو انفجار يصعب احتواؤه أو التحكم بمساراته.

هذه التحذيرات، الصادرة عن دوائر دولية فاعلة، لم تكن مجرّد رسائل دبلوماسية عابرة، بل جاءت نتيجة قراءة دقيقة لواقع ميداني متوتر، وسياق سياسي واجتماعي بالغ الحساسية. فعدن، ومعها لحج وأبين وحضرموت وشبوة والمهرة، لم تعد ساحات يمكن اختبار صبرها أو فرض الوقائع عليها من الخارج، بل تحوّلت إلى بيئة مشحونة بغضب شعبي متراكم، ووعي سياسي رافض لأي محاولات لإعادة إنتاج الوصاية أو تدوير قيادات فقدت رصيدها الأخلاقي والشعبي.

الدوائر الغربية، وفق هذه التسريبات، أبلغت الرياض بوضوح أن أي محاولة لفرض عودة العليمي إلى عدن دون توافق حقيقي مع القوى الفاعلة على الأرض، ستُقرأ محليًا كاستفزاز مباشر، وقد تُفسَّر كاستهانة بذاكرة جنوبية مثقلة بالجراح. ذاكرة لا تزال تحتفظ بملف دموي مفتوح، لم يُغلق بعد، ولم تُقدَّم فيه أي إشارات للإنصاف أو الاعتذار أو المساءلة.

فالجنوب لا ينظر إلى المسألة بوصفها خلافًا سياسيًا عابرًا، بل كامتداد لسلسلة من القرارات المفروضة التي تجاهلت إرادة الناس، وتغاضت عن كلفة بشرية باهظة. ملف الشهداء والجرحى والمفقودين، الذين سقطوا خلال الضربات الجوية السابقة، لا يزال حاضرًا بقوة في الوعي الجمعي، ويُشكّل أحد أبرز أسباب الرفض الشعبي لأي عودة قسرية أو ترتيبات تُفرض من الخارج دون معالجة عادلة لهذا الإرث الثقيل.

المملكة اليوم تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: من جهة، ضغوط دولية تحذّر من أن أي تصعيد قد ينسف ما تبقى من الاستقرار الهش، ومن جهة أخرى، رفض جنوبي واسع لأي حلول لا تنطلق من الداخل ولا تحترم التوازنات الجديدة التي فرضها الواقع. وبين هذين المسارين، تتقلص خيارات الرياض، وتبدو قدرتها على المناورة أقل مما كانت عليه في مراحل سابقة.

اللافت في هذا المشهد أن التحذيرات الغربية لا تنطلق فقط من هواجس أمنية، بل من قناعة بأن الجنوب لم يعد كما كان، وأن محاولات القفز على المزاج الشعبي أو تجاهل القوى المؤثرة على الأرض قد تقود إلى نتائج عكسية. فالساحة الجنوبية اليوم أكثر تنظيمًا، وأكثر حساسية تجاه أي خطوة تُفهم على أنها عودة إلى ما قبل التحولات الكبرى، أو محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

في هذا السياق، تبدو عودة العليمي إلى عدن، وفق الصيغة المطروحة، خطوة محفوفة بالمخاطر، ليس فقط على المستوى الأمني، بل على مستوى العلاقة بين الرياض والجنوب. ففرض الأمر الواقع قد يفتح جبهة توتر جديدة، ويعمّق فجوة الثقة، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى مقاربات مختلفة، تقوم على الشراكة والاعتراف بالوقائع، لا على الإملاء وتجاهل الأصوات المحلية.

المشهد العام يوحي بأن الجنوب دخل مرحلة جديدة من الوعي السياسي، مرحلة لم تعد تقبل فيها القرارات الجاهزة ولا القيادات المفروضة، وأن أي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة ستصطدم بجدار شعبي صلب. وبين تحذيرات الخارج ورفض الداخل، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تعيد الرياض حساباتها وتبحث عن مسار أقل كلفة، أم تمضي في خيارات محفوفة بالمخاطر، قد تشعل أزمة أكبر من قدرتها على السيطرة؟

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى