تقـــارير

الفساد يلتهم الجنوب.. والمال العام يتحول إلى فاتورة جوع يدفعها المواطن وحده

الفساد يلتهم الجنوب.. والمال العام يتحول إلى فاتورة جوع يدفعها المواطن وحده

في الجنوب، لم يعد الفساد مجرد ملف إداري عالق في أدراج المؤسسات، ولا مجرد تهمة سياسية تُرفع في وجه الخصوم عند اشتداد الخلافات، بل بات واقعًا يوميًا ثقيلًا يضغط على حياة الناس، ويأكل ما تبقى من قدرة المجتمع على الصمود، ويحوّل المال العام من أداة لخدمة المواطنين إلى وسيلة لإفقارهم وإذلالهم. هنا، لا يدفع الفاتورة مسؤول فاسد، ولا شبكة مصالح نافذة، بل يدفعها المواطن البسيط الذي يستيقظ كل صباح على انقطاع الكهرباء، وانهيار العملة، وارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات، وانسداد الأفق.

المشهد في الجنوب لم يعد يحتمل كثيرًا من التجميل أو المواربة. فالمواطن يرى بعينه كيف تتآكل مؤسسات الدولة، وكيف تُستنزف الموارد في أبواب إنفاق لا تمس حياته، بينما تتراجع الأولويات الأساسية إلى ذيل القائمة.

مستشفيات تفتقر إلى أبسط الإمكانات، مدارس متهالكة، شوارع مكسرة، كهرباء منهارة، مياه شحيحة، ورواتب فقدت قيمتها أمام جنون الأسعار. وفي المقابل، تتسع دوائر الصرف العبثي، وتنتفخ موازنات المكاتب والهيئات، وتستمر الامتيازات والمخصصات والسفريات والبدلات، وكأن البلاد تعيش رخاءً لا أزمة خانقة تهدد لقمة الناس واستقرارهم.

المال العام، الذي يفترض أن يكون صمام أمان للمجتمع، تحوّل في كثير من الحالات إلى غنيمة تتقاسمها شبكات النفوذ ومراكز القوى. ومن هنا تبدأ المأساة الحقيقية. فحين تُدار الموارد العامة بعقلية المحاصصة، وحين يُنظر إلى المؤسسات باعتبارها مصادر تمويل للنخب لا أدوات لخدمة الناس، يصبح الفساد منظومة متكاملة لا مجرد تجاوزات فردية. عندها لا تكون النتيجة مجرد أرقام مهدرة في تقارير الرقابة، بل تكون النتيجة الحقيقية هي هذا الانهيار الواسع الذي يلمسه المواطن في كل تفاصيل حياته.

في الجنوب، تتجلى آثار العبث بالمال العام بصورة فادحة في ملف الخدمات. فالكهرباء، على سبيل المثال، ليست مجرد خدمة تتعثر بسبب نقص الوقود أو ضعف البنية التحتية، بل هي صورة مكثفة لكيفية ابتلاع الفساد لمقدرات الناس. سنوات من الإنفاق والوعود والمناقصات واللجان، ومع ذلك ما زال المواطن يواجه صيفًا قاسيًا بلا كهرباء، ويعيش تحت رحمة الانطفاءات الطويلة، بينما تتكرر ذات الأعذار وتتبدل الوجوه دون أن يتغير الواقع.

وحين يغرق الناس في الظلام والحر والمرض، فإن السؤال لا يكون فقط: أين ذهبت الأموال؟ بل: من يحاسب من أوصل الأمور إلى هذا المستوى من العبث؟

ولا يقف الأمر عند الكهرباء. فالمياه، والطرقات، والصحة، والتعليم، والنظافة، ورواتب الموظفين، كلها ملفات تنطق بحجم الخلل. المواطن في الجنوب بات يشعر أن المال العام يمر من فوق رأسه دون أن يلمس أثره في حياته. يسمع عن موازنات واعتمادات ودعم ومنح، لكنه لا يرى من كل ذلك إلا مزيدًا من التدهور.

هذه الفجوة الهائلة بين ما يُقال وما يعيشه الناس هي أخطر ما يخلقه الفساد؛ لأنها لا تكتفي بإفقار المجتمع، بل تدمر ثقته بأي مؤسسة، وتزرع القناعة بأن الدولة لم تعد حامية للناس بل عبئًا عليهم.

والأخطر من الفساد نفسه هو اعتياد المشهد. حين يصبح نهب المال العام خبرًا عابرًا، وحين تتحول التجاوزات إلى أمر مألوف، تتعرض المنظومة الأخلاقية والسياسية للتآكل. الناس لم يعودوا يسألون فقط عن المشاريع المتعثرة، بل عن مبررات استمرار هذا النزيف بلا توقف، وعن أسباب غياب المحاسبة، وعن سرّ بقاء بعض الأسماء والمراكز رغم الفشل الواضح وسجل الإخفاقات. وفي كل مرة يغيب فيها الحساب، تتوسع مساحة العبث، وتترسخ القناعة لدى الفاسدين بأن لا ثمن سيدفعونه، وأن المواطن سيظل الحلقة الأضعف التي تتحمل كل الخسائر.

لقد صار واضحًا أن الفساد في الجنوب ليس عبئًا ماليًا فحسب، بل خطرًا سياسيًا واجتماعيًا وأمنيًا أيضًا. فحين يُحرم الناس من أبسط حقوقهم، وحين تتراجع الخدمات وتنهار القدرة الشرائية وتختفي فرص العيش الكريم، فإن الغضب يتراكم بصمت، ويصبح الشارع مهيأً للانفجار في أي لحظة. المجتمعات لا تنهار فقط بالحروب، بل ينهكها أيضًا الفساد المنظم الذي يسرق مواردها ويتركها تواجه مصيرها بلا حماية. وما يحدث اليوم في الجنوب يضع الجميع أمام لحظة اختبار حقيقية: إما أن تُفتح ملفات العبث والنهب بشجاعة، وإما أن يستمر الانهيار حتى يبتلع ما تبقى من الثقة والاستقرار.

المفارقة المؤلمة أن الجنوب يملك من الموارد والموقع والإمكانات ما يكفي ليكون في وضع أفضل بكثير مما هو عليه الآن. لكنه واقع تحت وطأة إدارة مرتبكة، وأولويات مشوهة، وفساد يلتهم العائدات قبل أن تصل إلى المواطن.

لذلك لم تعد المشكلة في نقص الإمكانات بقدر ما هي في غياب الإرادة الصادقة لإدارة المال العام بشفافية وعدالة وكفاءة.

فالمجتمعات لا تطلب المعجزات، بل تطلب الحد الأدنى من النزاهة والوضوح، وأن ترى أثر مواردها في خدماتها، لا في أرصدة المنتفعين ومكاتب المسؤولين.

وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الحديث عن الإصلاح ترفًا سياسيًا أو شعارًا للاستهلاك الإعلامي، بل ضرورة وجودية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. المطلوب اليوم ليس بيانات إنشائية عن محاربة الفساد، بل إجراءات حقيقية تبدأ من كشف أوجه الإنفاق، ونشر الموازنات بوضوح، ومراجعة أبواب الصرف، ووقف الامتيازات غير المبررة، وإخضاع كل المؤسسات للرقابة والمساءلة، ومحاسبة المتورطين مهما كانت مواقعهم.

فبدون ذلك سيظل المواطن الجنوبي يدفع الثمن وحده، وستظل فاتورة الفساد تُحصّل من لقمة الفقير ودواء المريض وراحة الموظف وحق الطفل في التعليم والحياة الكريمة.

إن أخطر ما في الفساد أنه لا يسرق الحاضر فقط، بل يسرق المستقبل أيضًا. يسرق فرصة الجنوب في النهوض، ويبدد ثقة الناس بأي مشروع وطني، ويحوّل أحلام الاستقرار والتنمية إلى مجرد شعارات باهتة. وحين يشعر المواطن أن المال العام لم يعد ملكًا له، وأن المؤسسات لا تعمل من أجله، فإن العلاقة بين الناس والسلطة تدخل مرحلة خطيرة من التآكل والقطيعة.

وهذه ليست مجرد أزمة خدمات أو اقتصاد، بل أزمة شرعية أخلاقية وسياسية في طريقة إدارة الشأن العام.

اليوم، يقف الجنوب أمام سؤال حاسم: إلى متى سيظل المواطن هو الخزينة المفتوحة التي تُسدد منها كلفة الفساد والعبث؟ إلى متى سيبقى الجنوبي محاصرًا بين نار الغلاء وانهيار الخدمات ونهب الموارد؟ وإلى متى ستظل لغة المحاسبة غائبة فيما تتضخم معاناة الناس؟ ما لم تتحول قضية الفساد من مادة للتراشق إلى معركة حقيقية لاسترداد المال العام وفرض الرقابة وحماية قوت الناس، فإن الأزمة ستتعمق أكثر، وسيظل المواطن يدفع من عمره وصحته وكرامته ثمن منظومة لا ترى فيه إلا رقمًا في طوابير المعاناة.

فالفساد في الجنوب لم يعد مجرد عنوان لخلل إداري، بل صار عنوانًا لمعركة مصير بين شعب يريد حياة كريمة، ومنظومة استهلكت موارده وأثقلت كاهله وأوصلته إلى حافة الاختناق.

وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة أن فاتورة العبث بالمال العام لا تُرسل إلى الفاسدين، بل تُسلَّم كل يوم للمواطن الجنوبي، ليدفعها من كهربائه ومائه وراتبه وصحته ومستقبل أبنائه.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى