تقـــارير

تحليل : لماذا امطرت المملكة سماء حضرموت بالقنابل واختفت امام التهديدات الحوثية؟

تحليل : لماذا امطرت المملكة سماء حضرموت بالقنابل واختفت امام التهديدات الحوثية؟

في لحظة سياسية وعسكرية بالغة الحساسية، تتصاعد الأسئلة في الشارع الجنوبي حول الفارق الكبير بين سرعة الحضور العسكري حين كانت المواجهة تستهدف أبناء الجنوب، وبين الغياب اللافت للطيران الحربي السعودي في وقت يعلن فيه الحوثيون صراحةً تهديدهم للمملكة، ويصعّدون هجماتهم ضد الملاحة الدولية، ويتحدثون عن استهداف المصالح والمنشآت السعودية.

السؤال لم يعد عابرًا، ولم يعد مجرد جدل سياسي أو قراءة عاطفية للمشهد، بل بات سؤالًا يفرض نفسه بقوة على الرأي العام: إذا كان الحوثيون يمثلون خطرًا مباشرًا على الأمن القومي السعودي، فأين الطيران الذي كان يحضر بكثافة عندما كانت المعركة تدور في الجنوب؟

ففي الوقت الذي كان فيه أبناء الجنوب يقاتلون في الصفوف الأمامية ضد المشروع الحوثي والإيراني، ويدفعون من دمائهم ثمن الدفاع عن أرضهم والمنطقة، كانت سماء حضرموت وغيرها شاهدة على غارات جوية كثيفة، وسقط ضحايا جنوبيون كانوا، يقاتلون في الخندق نفسه الذي يفترض أن يكون حليفًا في مواجهة الحوثيين.

أما اليوم، ومع انتقال التهديد الحوثي بصورة مباشرة إلى المملكة، وتصاعد الخطاب العدائي ضدها، وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، فإن المشهد يبدو مختلفًا بصورة تثير الكثير من التساؤلات. فبدلًا من تحرك عسكري واضح ومباشر، يبرز الحضور السياسي والإعلامي، بينما تبقى الطائرات في مدارجها، وتستمر التهديدات دون أن يقابلها رد عسكري بالحجم الذي اعتاد الناس رؤيته في ساحات الجنوب.

وهنا تتسع دائرة الأسئلة: هل تغيرت طبيعة التهديد؟ أم تغيرت الحسابات؟ وهل باتت هناك أولويات جديدة في المنطقة؟ أم أن ما يجري جزء من مسار سياسي يجري ترتيبه بعيدًا عن أعين الشعوب، وقد تكون تداعياته على حساب الجنوب وثرواته ومستقبله السياسي؟

الجنوبيون، الذين خاضوا سنوات طويلة من الحرب ضد الحوثيين، لا يحتاجون إلى من يزايد على تضحياتهم أو يمنحهم دروسًا في مواجهة المشروع الإيراني. فقد كانوا في مقدمة المواجهة، وقدموا آلاف الشهداء والجرحى، ودافعوا عن مدنهم وأرضهم وممرات المنطقة، في وقت كانت فيه قوى أخرى تتردد أو تعيد حساباتها أو تبحث عن تسوياتها الخاصة.

لكن ما يثير الغضب اليوم هو أن من قاتلوا الحوثيين بالأمس باتوا يرون أن المعادلة تتغير أمام أعينهم؛ فحين كان الجنوب هو ساحة المواجهة، كانت لغة الحرب حاضرة بقوة، أما حين أصبح التهديد الحوثي يطال أطرافًا أخرى بصورة مباشرة، فإن لغة التسويات والبيانات والرسائل السياسية تبدو أكثر حضورًا من لغة الميدان.

ومن هنا، فإن السؤال الجنوبي لا ينطلق من رغبة في الحرب أو الدعوة إلى التصعيد العسكري، بل من حق الشعوب في فهم ما يجري. فالمعادلات العسكرية والسياسية لا يمكن أن تبقى غامضة إلى ما لا نهاية، خصوصًا عندما تكون دماء الشهداء وتضحيات الشعوب قد استُخدمت طويلًا في معارك قيل إنها تهدف إلى مواجهة الخطر الحوثي وحماية أمن المنطقة.

لقد سئم الناس من المشاهد المتناقضة، ومن الخطابات التي تتغير بحسب اتجاه الرياح السياسية. سئموا من أن تكون هناك قوة عسكرية هائلة عندما يتعلق الأمر بفرض واقع معين على الجنوب، ثم تختفي تلك القوة أو تتراجع عندما تتجه التهديدات نحو مصادر الخطر الحقيقية.

ولذلك، فإن استمرار الغياب العسكري أمام تصعيد الحوثيين يفتح الباب أمام قراءات متعددة، بعضها يرى أن هناك ترتيبات سياسية يجري إعدادها خلف الكواليس، وربما تسويات تمنح الحوثيين مكاسب جديدة، في مقابل إعادة توزيع النفوذ والثروات ومناطق السيطرة، بينما يتحول الجنوب مرة أخرى إلى ورقة تفاوضية في صفقات لا يشارك شعبه في صياغتها ولا يملك حق الاعتراض عليها.

وهنا تكمن الخطورة الأكبر.

فالجنوب ليس أرضًا بلا شعب، ولا ثرواته غنيمة سياسية، ولا تضحيات أبنائه ورقة يمكن استخدامها في غرف التفاوض. وأي تسوية تُبنى على تجاهل إرادة شعب الجنوب أو مصادرة حقه في تقرير مستقبله، لن تكون سوى وصفة جديدة لإنتاج الأزمات وتأجيل الانفجار.

إن الذاكرة الجنوبية لا تنسى بسهولة. فالدماء التي سالت في ميادين القتال، والتضحيات التي قدمها أبناء الجنوب، لا يمكن محوها ببيانات سياسية أو عناوين براقة عن السلام. كما أن الشعوب لا تقيس المواقف بالكلمات وحدها، بل بما تراه على الأرض من أفعال ومواقف واضحة.

وإذا كانت المواجهة مع الحوثيين ما تزال قائمة، وإذا كان خطرهم على أمن المنطقة والملاحة الدولية والمملكة العربية السعودية حاضرًا، فإن السؤال سيظل قائمًا: لماذا كانت الطائرات حاضرة بقوة عندما كان الجنوب هو الهدف، ولماذا تبدو غائبة عندما أصبح التهديد الحوثي يطرق أبواب المملكة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن دفنها تحت ركام التصريحات، ولا إخفاؤها خلف الضجيج السياسي. فالواقع يقول إن الشعوب باتت أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على قراءة التناقضات، وأكثر رفضًا لأن تتحول إلى أدوات في صراعات الآخرين.

والجنوب، الذي دفع ثمنًا باهظًا في مواجهة الحوثيين، لن يقبل أن تتحول تضحياته إلى جسر لتمرير صفقات جديدة، ولن يقبل أن تكون ثرواته ومستقبله السياسي ثمنًا لتفاهمات لا تعترف بإرادته.

فإن كانت المعركة مع الحوثيين حقيقية، فليكن الميدان واضحًا، وإن كانت هناك تسويات سياسية، فلتكن شفافة، وإن كان هناك مشروع لإعادة رسم خريطة المنطقة، فإن الجنوب لن يكون مجرد تفصيل هامشي في خرائط الآخرين.

فالطائرات قد تغيب عن السماء، لكن الأسئلة تبقى حاضرة.. والجنوب الذي دفع ثمن الحرب لن يقبل أن يدفع ثمن السلام المزعوم أيضًا.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى