تشهد مدينة المكلا بمحافظة حضرموت حالة من التوتر الأمني المتصاعد، في ظل ما يصفه مواطنون وناشطون بحملات مطاردات واعتقالات تستهدف عددًا من شباب المدينة، وتنفذها أطقم عسكرية وأمنية في أحياء مختلفة، وسط اتهامات للقائمين عليها بتجاوز الإجراءات القانونية وعدم إبراز أوامر صادرة عن النيابة العامة أو الجهات القضائية المختصة.
وبحسب إفادات متداولة من أبناء المدينة، فقد شهدت مناطق متفرقة من المكلا تحركات لأطقم عسكرية تقوم بملاحقة بعض الشباب واقتياد عدد منهم إلى جهات غير معلومة بالنسبة لأسرهم، الأمر الذي أثار حالة من القلق والاستياء، خصوصًا مع غياب معلومات رسمية واضحة بشأن أسباب التوقيف أو الجهات التي تقف وراء هذه الحملات.
وتقول مصادر محلية إن بعض عمليات المداهمة والملاحقة جرت بصورة مفاجئة، دون أن تترافق ـ بحسب روايات الأهالي ـ مع أوامر قضائية معلنة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مدى الالتزام بالإجراءات القانونية والضمانات التي يكفلها القانون للمواطنين، وفي مقدمتها حق الشخص في معرفة أسباب توقيفه والجهة التي أمرت به.
وتزداد المخاوف بين الأسر الحضرمية من أن تتحول الإجراءات الأمنية إلى سياسة ممنهجة تستهدف الشباب، بدلًا من أن تكون عمليات أمنية محددة تستند إلى معلومات وتحقيقات وأوامر قانونية واضحة. فالأمن، كما يؤكد كثير من أبناء المدينة، لا يمكن أن يتحول إلى مبرر لتجاوز القانون، كما أن مواجهة أي تهديدات أمنية ينبغي أن تتم ضمن مؤسسات الدولة وبإشراف الجهات القضائية المختصة.
ويرى ناشطون أن ما يجري في المكلا يعكس حالة من الفوضى في إدارة الملف الأمني، ويثير علامات استفهام حول الجهات التي تمنح الأوامر للقوات المنفذة، والجهة المسؤولة عن أماكن احتجاز الموقوفين، وما إذا كانت أسرهم تحصل على معلومات رسمية بشأن أوضاعهم ومصيرهم.
وفي ظل غياب توضيحات رسمية كافية، تتسع دائرة المخاوف من تداعيات هذه الحملات على الاستقرار الاجتماعي في حضرموت، خصوصًا أن مدينة المكلا عرفت خلال السنوات الماضية توترات سياسية وأمنية متكررة، جعلت أي تحرك أمني غير واضح المعالم مصدرًا مباشرًا للقلق بين السكان.
كما يطالب أهالي الموقوفين بالكشف الفوري عن أماكن وجود أبنائهم، وتوضيح أسباب احتجازهم، وتمكينهم من حقوقهم القانونية، مؤكدين أن مكافحة الجريمة وحماية الأمن لا تتعارضان مع احترام القانون، بل إن قوة الأجهزة الأمنية تقاس بمدى التزامها بالقانون والقضاء، وليس بحجم الأطقم العسكرية المنتشرة في الشوارع.
ويحذر مراقبون من أن استمرار الاعتقالات دون شفافية أو إجراءات قانونية واضحة قد يؤدي إلى تعميق حالة الاحتقان الشعبي، ويدفع باتجاه فقدان الثقة بالمؤسسات الأمنية، في وقت تحتاج فيه حضرموت إلى تهدئة شاملة ومعالجة أسباب التوتر بعيدًا عن أساليب الملاحقة الجماعية أو التضييق على الحريات.
وتبقى المسؤولية الأكبر على عاتق الجهات الرسمية المختصة لتقديم رواية واضحة بشأن ما يحدث في المكلا، وتحديد الجهات التي تنفذ عمليات التوقيف، والكشف عن الأساس القانوني الذي تستند إليه، وضمان عدم تعرض أي مواطن للاحتجاز خارج إطار القانون.
فالمكلا ليست مجرد ساحة أمنية مفتوحة، وأبناء حضرموت ليسوا خارج مظلة القانون. وأي إجراءات أمنية، مهما كانت دوافعها، ينبغي أن تخضع للقضاء والرقابة القانونية، لأن احترام حقوق المواطنين هو الضمان الحقيقي للاستقرار، بينما قد يؤدي الإفراط في استخدام القوة والاعتقالات غير الواضحة إلى إنتاج أزمة جديدة بدلًا من حل الأزمات القائمة.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي يفرض نفسه أمام الرأي العام الحضرمي لا يتعلق فقط بمن يتم توقيفه، وإنما بمن يصدر أوامر الاعتقال، وأين يُحتجز الموقوفون، وما هي التهم الموجهة إليهم، ولماذا لا تُعلن الجهات الرسمية للرأي العام تفاصيل ما يجري؟ وهي أسئلة مشروعة لا يمكن تجاوزها بالصمت، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بحرية المواطنين وحقوقهم الأساسية.
زر الذهاب إلى الأعلى