صوت الضالع/ منير النقيب
تحمل كلمة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة، أبعادًا سياسية ووطنية وعسكرية تتجاوز حدود الاحتفاء بمناسبة تاريخية خالدة، لتضع تطورات المرحلة الراهنة في إطار معركة الجنوب العربي من أجل حماية أرضه، وتعزيز قدراته الدفاعية، وتحصين مشروعه الوطني التحرري، والمضي نحو استعادة دولته المستقلة كاملة السيادة.
وفي خطاب اتسم بنبرة تصعيدية في الجانب المتعلق بالتعبئة والاستنفار، وبتمسك واضح بالمسار السياسي في قضية الجنوب، ربط الرئيس الزُبيدي بين الإرث النضالي لثورة أكتوبر والتحديات الراهنة التي تواجه الجنوب، مستحضرًا رمزية انطلاق الثورة من جبال ردفان، وما جسدته من إرادة شعبية في مواجهة الاستعمار، ليؤكد أن استحضار التاريخ لا ينفصل عن مسؤوليات الحاضر، وأن حماية المكتسبات الوطنية تتطلب، وفق رؤيته، تلاحمًا شعبيًا ومجتمعيًا وعسكريًا في مواجهة المخاطر التي تستهدف الجنوب ومشروعه السياسي.
وتكشف مضامين كلمة الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي عن الانتقال من التعبير السياسي عن الموقف الجنوبي إلى توسيع نطاق المشاركة الشعبية في معركة الدفاع الوطني، من خلال إعلان التعبئة الشعبية العامة، والدعوة إلى رفع مستوى الجهوزية، واستنهاض القبائل، وحشد الجماهير في المليونية المقررة في الرابع عشر من أكتوبر، بالتزامن مع تأكيد استمرار التحرك السياسي والدبلوماسي من أجل انتزاع حق شعب الجنوب في تقرير مصيره واستعادة دولته.
*أولًا: ثورة أكتوبر.. استدعاء التاريخ وتحديد اتجاه المرحلة الراهنة
استهل الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي كلمته باستحضار الذكرى الثالثة والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة، مستعيدًا الدور التاريخي للآباء والأجداد الذين أطلقوا شرارة الثورة من جبال ردفان الشماء، وخاضوا معركة التحرر الوطني حتى تحقيق الاستقلال.
ولا يأتي هذا الاستحضار بوصفه استعادة لوقائع تاريخية فحسب، بل يشكل مدخلًا سياسيًا لربط الأجيال الجنوبية الراهنة بمسيرة النضال الوطني، وتقديم ثورة أكتوبر باعتبارها مرجعية رمزية تعزز الهوية الوطنية الجنوبية، وتؤكد أن الإرادة الشعبية ظلت، عبر مراحل التاريخ، عاملًا رئيسيًا في تشكيل التحولات السياسية الكبرى.
ومن خلال هذا الربط بين الماضي والحاضر، يضع الخطاب الذكرى الوطنية في سياق يتجاوز الطقوس الاحتفالية، لتصبح مناسبة لتجديد الالتزام بالقضية الجنوبية، واستنهاض الوعي الجمعي، والتأكيد على أن التحديات الراهنة تستدعي، وفق الطرح الذي قدمه الزُبيدي، استلهام روح الثورة في مواجهة ما يصفه بالمخاطر المحدقة بالجنوب.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية إضافية من توقيت الكلمة، إذ تأتي في ظل مرحلة يصفها الخطاب بأنها مفصلية في مسار القضية الجنوبية، بما يجعل من ذكرى أكتوبر محطة لتجديد الخطاب الوطني وتحديد الأولويات السياسية والأمنية والعسكرية للمرحلة المقبلة.
*ثانيًا: إعلان التعبئة الشعبية العامة.. الانتقال إلى مرحلة الاستنفار الوطني
يمثل إعلان التعبئة الشعبية العامة أبرز القرارات التي تضمنتها كلمة الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، إذ دعا إلى حشد الطاقات الشعبية للدفاع عن الجنوب ومشروعه الوطني التحرري، ومواصلة معركة الدفاع الوطني في مواجهة مليشيات الحوثي والجماعات المتطرفة التي قال إنها تستهدف شعب الجنوب وكيانه السياسي وقواته المسلحة.
ويعكس هذا الإعلان، في دلالته السياسية، توجهًا نحو توسيع قاعدة المشاركة في جهود الدفاع عن الجنوب، وعدم حصر المسؤولية في المؤسسات العسكرية والأمنية وحدها، بل إشراك المجتمع والقبائل والفعاليات الشعبية في إطار تعبئة وطنية عامة، وفق الإجراءات التي أعلن الخطاب اعتمادها من الجهات المكلفة.
وتحمل الدعوة إلى الانخراط في مراكز التعبئة بمحافظات الجنوب رسالة مفادها أن القيادة تسعى إلى تحويل حالة التضامن الشعبي مع القوات المسلحة الجنوبية إلى استعداد منظم للمشاركة في جهود الدفاع الوطني، بما يعزز الجبهة الداخلية ويرفع مستوى التنسيق بين المجتمع والمؤسسات المعنية.
كما أن ربط التعبئة الشعبية بالدفاع عن المشروع الوطني التحرري يمنح القرار بعدًا سياسيًا يتجاوز الاستجابة للمخاطر الأمنية المباشرة؛ إذ يضع حماية الأرض والكيان السياسي، وفق رؤية الخطاب، ضمن معركة واحدة لا تنفصل فيها الاعتبارات العسكرية عن الأهداف الوطنية المرتبطة بمستقبل الجنوب.
ومن هنا، فإن التعبئة العامة لا تظهر في الكلمة باعتبارها إجراءً مؤقتًا مرتبطًا بذكرى أكتوبر، وإنما بوصفها عنوانًا لمرحلة تتطلب رفع مستوى الاستعداد والتماسك، في ظل ما يصفه الخطاب بتصاعد التهديدات واتساع نطاق المواجهة.
*ثالثًا: من المهرة إلى باب المندب.. تأكيد وحدة الجغرافيا الجنوبية
حرص الزُبيدي على توجيه دعوته إلى جماهير الجنوب من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا، ومن سقطرى إلى ميون، في صياغة تحمل دلالة سياسية وجغرافية واضحة، تتمثل في التأكيد على شمولية القضية الجنوبية ووحدة نطاقها الوطني.
ويؤكد هذا الامتداد الجغرافي أن الخطاب لا يحصر التعبئة في مناطق المواجهات العسكرية أو في العاصمة عدن، بل يوجهها إلى مختلف المحافظات والمناطق الجنوبية، باعتبار أن مسؤولية الدفاع عن الجنوب، وفق الرؤية التي يعرضها، مسؤولية عامة تتصل بوحدة الأرض والمصير السياسي.
وتبرز أهمية هذه الرسالة في سعيها إلى تعزيز الاصطفاف الداخلي وتجاوز التباينات المحلية والمناطقية، عبر وضع مختلف المحافظات أمام هدف مشترك يتمثل في حماية الجنوب ومشروعه الوطني، وترسيخ حضور القضية الجنوبية بوصفها قضية ذات امتداد جغرافي وشعبي شامل.
كما أن تحديد مراكز التعبئة في عموم المحافظات، والدعوة إلى الاحتشاد في العاصمة عدن وحضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى، يعكسان رغبة في إظهار اتساع قاعدة التأييد الشعبي للخطوات المعلنة، وإبراز الحضور الجماهيري باعتباره أحد عناصر القوة السياسية في هذه المرحلة.
وفي هذا السياق، تتحول جغرافيا الجنوب في الخطاب من مجرد تحديد للمناطق المستهدفة بالدعوة إلى المشاركة إلى عنصر أساسي في بناء الرسالة السياسية، التي تؤكد أن الدفاع عن الجنوب واستعادة دولته، وفق المشروع الذي يطرحه المجلس الانتقالي الجنوبي، يرتبطان بإرادة شعبية تمتد عبر مختلف محافظاته.
*رابعًا: مليونية 14 أكتوبر..رسالة سياسية
منح الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي المليونية الشعبية المقررة في الرابع عشر من أكتوبر أهمية خاصة، داعيًا جماهير الجنوب إلى احتشاد واسع في العاصمة عدن وحضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى، بالتزامن مع الذكرى الثالثة والستين لثورة أكتوبر.
وتكشف هذه الدعوة عن توظيف المناسبة التاريخية في التعبير عن الموقف السياسي الراهن، من خلال الجمع بين رمزية الثورة التحررية والحضور الجماهيري المنظم، بما يجعل المليونية، وفق دلالات الخطاب، مساحة لإظهار التمسك بالقضية الجنوبية وتأكيد الالتفاف الشعبي حول مشروع استعادة الدولة.
فالحشد الجماهيري في مثل هذه المناسبات لا يقتصر على التعبير عن المشاعر الوطنية، بل يحمل أيضًا رسائل تتصل بحجم الحضور الشعبي، وقدرة القوى السياسية على تعبئة أنصارها، ومدى ارتباط الشارع بالأهداف التي تطرحها قياداته.
ومن هذا المنطلق، تبدو مليونية الرابع عشر من أكتوبر جزءًا من مسار أوسع يستهدف تعزيز الحضور السياسي للقضية الجنوبية، وتأكيد أن المطالب المتعلقة بتقرير المصير واستعادة الدولة لا تزال، بحسب الخطاب، في صدارة أولويات قطاع واسع من الجنوبيين المؤيدين لهذا المشروع.
وتتضاعف أهمية المليونية بفعل ارتباطها بذكرى ثورة أكتوبر، إذ يستند الخطاب إلى رمزية الثورة في تقديم الحشد بوصفه امتدادًا معاصرًا لمسيرة التحرر الوطني، مع اختلاف السياقات السياسية والتاريخية بين مرحلة الثورة ضد الاستعمار والتحديات الراهنة.
خامسًا: قبائل الجنوب.. تعزيز الجبهة الداخلية وتوسيع دائرة المسؤولية
خصص الرئيس الزُبيدي جانبًا من كلمته لاستنهاض قبائل الجنوب، داعيًا إلى إعلان حالة الاستنفار الشعبي والاستعداد لتلبية نداء الدفاع عن الوطن إلى جانب القوات المسلحة الجنوبية.
وتعكس هذه الدعوة إدراكًا لأهمية الدور الاجتماعي والقبلي في المعادلة الجنوبية، بالنظر إلى ما تمثله القبائل من امتداد اجتماعي وتأثير محلي في عدد من مناطق الجنوب، ولا سيما المناطق القريبة من خطوط المواجهة.
ومن الناحية السياسية، يسعى الخطاب إلى وضع القبائل ضمن إطار الاصطفاف الوطني، باعتبارها مكونًا رئيسيًا في تعزيز التماسك الداخلي ومساندة القوات المسلحة، في مواجهة التهديدات التي يتحدث عنها.
وتتصل هذه الرسالة أيضًا بمحاولة توحيد المواقف الشعبية حول أولوية حماية الأرض، وتقليل فرص التباعد بين القوى الاجتماعية والمكونات المحلية في لحظة يصفها الخطاب بالحساسة.
غير أن فاعلية هذا التوجه تظل مرتبطة بمدى تنظيم التعبئة، ووضوح أدوار الجهات المعنية، والتزام الإجراءات القانونية والضوابط التي تحمي المدنيين وتضمن أن تظل المشاركة الشعبية في إطار دعم الاستقرار والدفاع المشروع عن المجتمع.
*سادسًا: القوات المسلحة الجنوبية.. محور الدفاع ورسالة الثبات
احتلت القوات المسلحة الجنوبية موقعًا محوريًا في كلمة الرئيس الزُبيدي، سواء من خلال الدعوة إلى الاصطفاف خلفها وتعزيز التلاحم المجتمعي معها، أو عبر التحية المباشرة للمقاتلين المرابطين في جبهات الصبيحة وباب المندب وكرش والمسيمير ويافع وأبين والضالع وبيحان.
ويقدم خطاب الرئيس القائد القوات المسلحة باعتبارها خط الدفاع الرئيسي عن الأرض والكرامة والأمن، ويربط بين صمودها في الجبهات وبين قدرة الجنوب على حماية مكتسباته ومواصلة مشروعه السياسي.
كما أن الإشارة إلى امتداد جبهات المواجهة تعكس محاولة لتسليط الضوء على تعدد مناطق التحدي الأمني والعسكري، وتأكيد أن مسؤولية حماية الجنوب لا تقتصر على جبهة واحدة أو محافظة بعينها.
وتحمل التحية التي وجهها الزُبيدي للمقاتلين بُعدًا معنويًا واضحًا، إذ تهدف إلى رفع الروح المعنوية، وتثمين التضحيات، وإظهار الدعم السياسي والشعبي للقوات المرابطة في الميدان.
وفي المقابل، يربط الخطاب بين الدعم الشعبي للقوات المسلحة وبين ضرورة تماسك الجبهة الداخلية، باعتبار أن المعركة العسكرية، وفق هذا التصور، لا تنفصل عن الاستقرار المجتمعي والقدرة على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية.
ومن هنا، فإن الرسالة الأساسية في هذا المحور تتمثل في تأكيد مركزية القوات المسلحة الجنوبية في حسابات المرحلة، مع توجيه نداء إلى المجتمع بمختلف فئاته لتعزيز مساندتها، وتجنب ما من شأنه إضعاف التماسك الداخلي.
*سابعًا: الصبيحة في واجهة المواجهة.. الإشادة بالدور الشعبي في حماية الحدود
أفرد الرئيس القائد مساحة خاصة للإشادة بأبناء الصبيحة، مثمنًا تقدمهم الصفوف في مواجهة ما وصفه بالعدوان على حدود الجنوب، ومؤكدًا دورهم إلى جانب القوات المسلحة الجنوبية في التصدي للقوى المعادية.
وتحمل هذه الإشادة دلالة تتجاوز الثناء على منطقة بعينها، إذ تبرز أهمية المناطق الحدودية في حسابات الأمن والدفاع، وتسلط الضوء على العلاقة بين القوات العسكرية والبيئة الاجتماعية المحيطة بها.
كما تعكس الإشارة إلى الصبيحة رغبة في تثمين التضحيات التي يقدمها أبناء المناطق القريبة من خطوط المواجهة، وتأكيد أن الدفاع عن الأرض يقوم على تضافر الجهود العسكرية والاجتماعية، كل ضمن دوره ومسؤولياته.
ويقدم الخطاب هذا النموذج باعتباره صورة للتلاحم بين المجتمع والقوات المسلحة، ويستند إليه في الدعوة إلى توسيع دائرة الاصطفاف الشعبي في بقية مناطق الجنوب.
وفي التحليل السياسي، فإن إبراز دور الصبيحة يرتبط كذلك بأهمية الجبهات الغربية والحدودية في حماية المجال الجنوبي، وبمحاولة تأكيد أن الجبهة الداخلية تمثل امتدادًا ضروريًا للجبهة العسكرية، من دون أن يعني ذلك أن المسؤولية الدفاعية تلغي أهمية المؤسسات الرسمية والتنظيم المنضبط.
*ثامنًا: الإعلان الدستوري والبيان السياسي والميثاق الوطني
على الرغم من التركيز الواضح على التعبئة والاستنفار، لم تغفل كلمة الرئيس الزُبيدي الجانب السياسي، بل أكدت استمرار المسار وفق مضامين الإعلان الدستوري والبيان السياسي الصادرين في الثاني من يناير 2026، والميثاق الوطني الجنوبي.
ويعكس هذا التأكيد رغبة في تقديم الخطوات الدفاعية والشعبية باعتبارها جزءًا من مسار سياسي أوسع، لا بديلًا عنه. فالخطاب يربط بين حماية الأرض من التهديدات الأمنية وبين مواصلة الجهود الرامية إلى تحقيق تطلعات شعب الجنوب في تقرير مصيره واستعادة دولته المستقلة كاملة السيادة.
ويشير هذا الربط إلى أن القيادة، وفق ما أعلنته، تسعى إلى الجمع بين ثلاثة مسارات متوازية: تعزيز الجاهزية الدفاعية، وتوسيع المشاركة الشعبية، والتحرك السياسي والدبلوماسي على المستويين الإقليمي والدولي.
وتبرز أهمية هذا المحور في تأكيد أن التعبئة العامة، رغم تصدرها الجانب العملي من الخطاب، لا تمثل تراجعًا عن الأهداف السياسية المعلنة، بل يجري تقديمها بوصفها إحدى الأدوات التي تستهدف حماية البيئة اللازمة لمواصلة ذلك المسار.
كما أن الإحالة إلى الوثائق السياسية المحددة تمنح الخطاب إطارًا مرجعيًا يسعى من خلاله إلى تثبيت توجهات المرحلة، وربط القرارات المعلنة بمشروع سياسي له وثائقه ومحدداته، بدلًا من حصرها في ردود الفعل على التطورات الميدانية.
وتبقى ترجمة هذا التوجه إلى نتائج سياسية مرتبطة بمدى القدرة على بناء توافقات داخلية، وتوضيح آليات تنفيذ الالتزامات المعلنة، وتحقيق تقدم ملموس في مسار التفاوض والتحرك الخارجي.
*تاسعًا: المطالبة بالاعتراف بدولة الجنوب.. توسيع المعركة من الميدان إلى الدبلوماسية الدولية
من أبرز الرسائل السياسية التي تضمنتها كلمة الرئيس الزُبيدي مطالبة الأشقاء في المملكة العربية السعودية، إلى جانب المجتمعين الإقليمي والدولي، بالاعتراف بالإعلان الدستوري والبيان السياسي الصادرين في الثاني من يناير 2026، باعتبارهما مدخلًا لإعادة الاستقرار إلى البلاد والمنطقة.
وتكشف هذه المطالبة عن سعي إلى نقل المشروع السياسي الجنوبي إلى مساحة أوسع من النقاشات الإقليمية والدولية، ووضع الاعتراف بالوثائق السياسية المعلنة ضمن أولويات التحرك الخارجي.
ويحاول الخطاب تقديم هذا المسار من زاويتين مترابطتين: الأولى تتصل بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره واستعادة دولته المستقلة، والثانية ترتبط بالأمن والاستقرار الإقليميين، وأمن الملاحة الدولية، ومكافحة الإرهاب.
ومن خلال الجمع بين هذين البعدين، يسعى الزُبيدي إلى التأكيد أن القضية الجنوبية، وفق الرؤية التي يتبناها، ليست شأنًا محليًا منفصلًا عن محيطه، بل قضية ترتبط أيضًا بمستقبل الأمن في منطقة ذات أهمية استراتيجية للتجارة والملاحة الدولية.
وتبرز المملكة العربية السعودية في هذا المحور بوصفها طرفًا إقليميًا يخاطبه الرئيس الزُبيدي مباشرة، إلى جانب بقية الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يعكس أهمية الدور الذي تتطلع القيادة الجنوبية إلى أن تؤديه الأطراف الخارجية في التعامل مع تطورات القضية الجنوبية.
ومع ذلك، فإن الاعتراف السياسي لا يتوقف على المطالب المعلنة وحدها، بل يرتبط بحسابات الدول ومصالحها، وطبيعة التفاهمات الإقليمية، ومواقف الأطراف المحلية، ومدى توافر مسار سياسي قابل للتنفيذ. ومن ثم، فإن التحدي أمام هذا التوجه يتمثل في تحويل المطالبة بالاعتراف إلى خطوات دبلوماسية عملية تحقق تقدمًا في مسار القضية الجنوبية.
*عاشرًا: أمن الملاحة ومكافحة الإرهاب
جدد الرئيس الزُبيدي التزامه بأمن الملاحة الدولية واستقرار المنطقة ومكافحة الإرهاب، مؤكدًا أن القوات المسلحة الجنوبية ستظل، بحسب الخطاب، شريكًا مؤتمنًا في تعزيز الأمن والسلم الدوليين.
وتحمل هذه الرسالة أهمية استراتيجية بالنظر إلى موقع الجنوب المطل على ممرات بحرية حيوية، وفي مقدمتها باب المندب وخليج عدن، وما يترتب على أمنهما من آثار مباشرة على التجارة الدولية وحركة السفن والاستقرار الإقليمي.
ويحاول الخطاب من خلال هذا المحور إبراز الدور الذي يمكن أن يؤديه الجنوب في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، وربط استقرار مناطقه بأمن الممرات البحرية ومكافحة الجماعات المتطرفة.
كما يمثل التأكيد على مكافحة الإرهاب رسالة إلى الشركاء الخارجيين بأن المشروع السياسي الجنوبي، وفق طرح الزُبيدي، لا يقتصر على المطالب الداخلية، بل يتضمن التزامات تتصل بقضايا الأمن الإقليمي والدولي.
وتكمن أهمية هذا التوجه في أنه يمنح التحرك الدبلوماسي بعدًا عمليًا، من خلال طرح المصالح المشتركة التي يمكن أن تشكل أساسًا للتعاون مع الأطراف الدولية والإقليمية.
لكن تحويل هذا الطرح إلى شراكات مستدامة يتطلب ترجمة الالتزامات إلى سياسات وممارسات قابلة للتقييم، وتعزيز التنسيق الأمني، وحماية المدنيين، واحترام القواعد المنظمة للملاحة الدولية، بما يعزز الثقة في قدرة المؤسسات المعنية على الإسهام في الاستقرار.
حادي عشر: إدانة الاعتداءات الحوثية على السعودية.. رسالة إلى الشركاء الإقليميين
أدان الرئيس الزُبيدي الاعتداءات الحوثية التي قال إنها استهدفت الأعيان المدنية في المملكة العربية السعودية، داعيًا إلى موقف دولي حازم في مواجهة ما وصفه بإرهاب المليشيات الحوثية ومشروعها التوسعي.
ويحمل هذا الموقف رسالة سياسية تتصل برفض استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، والتأكيد على ضرورة مواجهة التهديدات التي تطال أمن دول المنطقة.
كما ينسجم هذا المحور مع تأكيد الخطاب على مكافحة الإرهاب وأمن الملاحة والاستقرار الإقليمي، إذ يسعى إلى إبراز أن مواجهة التهديدات الحوثية، وفق رؤية القيادة الجنوبية، تتطلب تنسيقًا إقليميًا ودوليًا وعدم التعامل معها باعتبارها مشكلة محلية محصورة في جغرافيا واحدة.
ومن الناحية السياسية، فإن إدانة الاعتداءات على المملكة تضع موقف الزُبيدي ضمن خطاب يدعو إلى حماية الأمن الإقليمي، مع تجديد المطالبة بالاعتراف بالوثائق السياسية الجنوبية.
ويعكس الجمع بين الرسالتين محاولة لإبقاء المسار السياسي الجنوبي حاضرًا في النقاشات المتعلقة بأمن المنطقة، وتأكيد أن معالجة التحديات الأمنية ينبغي أن تترافق، وفق الخطاب، مع معالجة القضايا السياسية التي يرى أنها ترتبط باستقرار الجنوب ومستقبله.
*ثاني عشر: الرسائل الموجهة إلى الداخل والخارج
تكشف قراءة كلمة الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي عن تعدد الجهات التي يستهدفها الخطاب، إذ لا يتوجه إلى جمهور واحد، بل يجمع بين رسائل موجهة إلى الشارع الجنوبي، والقوات المسلحة، والقبائل، والشركاء الإقليميين والدوليين.
فعلى المستوى الداخلي، تتمثل الرسالة الأساسية في الدعوة إلى التعبئة الشعبية العامة، وتعزيز الاصطفاف خلف القوات المسلحة الجنوبية، وتوسيع المشاركة في الفعاليات الجماهيرية، وتأكيد وحدة الموقف تجاه المشروع الوطني.
وعلى المستوى العسكري، يركز الخطاب على رفع المعنويات، وتثمين تضحيات المقاتلين، وإبراز أهمية الجبهات الحدودية، وتأكيد استمرار المواجهة مع التهديدات التي يحددها الخطاب.
أما على المستوى السياسي، فيؤكد الزُبيدي استمرار المسار المرتبط بالإعلان الدستوري والبيان السياسي والميثاق الوطني الجنوبي، مع التشديد على حق تقرير المصير واستعادة الدولة المستقلة.
وفي البعد الخارجي، يسعى الخطاب إلى مخاطبة المملكة العربية السعودية والمجتمعين الإقليمي والدولي بلغة تجمع بين المطالبة بالاعتراف السياسي، والتأكيد على الالتزام بأمن الملاحة ومكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي.
ويمنح هذا التعدد الخطاب طابعًا مركبًا؛ فهو تعبوي في رسائله الموجهة إلى الداخل، وسياسي في تحديد أهداف القضية الجنوبية، ودبلوماسي في مخاطبة الأطراف الخارجية. وتتمثل المعضلة الأساسية في قدرة هذه المسارات على العمل بصورة متكاملة، بحيث لا يؤدي تصاعد التوتر الأمني إلى إضعاف فرص التحرك السياسي، ولا تبقى المطالب الدبلوماسية منفصلة عن الوقائع والتطورات على الأرض.
*ثالث عشر: بين التعبئة والهدف السياسي
لا تتوقف أهمية كلمة الزُبيدي عند القرارات والدعوات التي أعلنتها، بل تمتد إلى ما ستكشفه المرحلة المقبلة عن قدرة القيادة على تحويل هذه التوجهات إلى نتائج ملموسة.
فإعلان التعبئة الشعبية العامة يطرح تحديًا يتعلق بمدى تنظيم مراكز التعبئة، ووضوح مسؤوليات الجهات المكلفة، وقدرتها على إدارة المشاركة المجتمعية بصورة منضبطة تحافظ على الأمن والاستقرار.
كما أن الدعوة إلى الحشد الجماهيري تضع حجم المشاركة وطبيعتها ورسائلها السياسية في دائرة الاهتمام، باعتبار أن الفعاليات الشعبية تمثل إحدى أدوات التعبير عن المواقف العامة، فيما يتطلب قياس دلالاتها السياسية النظر إلى سياقها ومطالب المشاركين ومدى انعكاسها على التطورات اللاحقة.
أما في المسار السياسي والدبلوماسي، فيتمثل التحدي في مدى القدرة على توسيع العلاقات الخارجية، وتوضيح الأسس العملية للمشروع السياسي، وبناء تفاهمات تتيح إحراز تقدم في قضية تقرير المصير واستعادة الدولة.
وفي الجانب الأمني، تبرز أهمية استمرار حماية المدنيين، وتجنب اتساع المواجهات، والحفاظ على تماسك المؤسسات والقوى المحلية، بما يحد من المخاطر التي يمكن أن تنعكس على الحياة اليومية والاستقرار العام.
ومن هذا المنظور، فإن نجاح التوجهات التي عرضتها الكلمة لن يُقاس بحدة الخطاب أو اتساع الدعوات وحدهما، وإنما بمدى القدرة على تنظيم الجهد الشعبي، وتحقيق نتائج سياسية، وتعزيز الأمن، وتوفير مقومات الاستقرار في الجنوب.
*أكتوبر محطة لتجديد التعبئة وتأكيد مشروع استعادة الدولة
تقدم كلمة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر صورة واضحة للأولويات التي تطرحها القيادة الجنوبية في هذه المرحلة، وفي مقدمتها التعبئة الشعبية العامة، وتعزيز الاصطفاف خلف القوات المسلحة الجنوبية، واستنهاض القبائل، وتوسيع الحضور الجماهيري، ومواصلة المسار السياسي والدبلوماسي لاستعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة.
وتتمثل الرسالة الأبرز في أن الخطاب يريد الجمع بين قوة الحضور الشعبي والجاهزية الدفاعية والتحرك السياسي الخارجي، مع الاستناد إلى رمزية ثورة أكتوبر بوصفها محطة تاريخية تؤكد أهمية الإرادة الشعبية في مسار التحرر الوطني.
كما أن تأكيد الالتزام بأمن الملاحة الدولية ومكافحة الإرهاب، وإدانة الاعتداءات الحوثية على الأعيان المدنية في المملكة العربية السعودية، يعكسان سعيًا إلى تقديم القضية الجنوبية ضمن معادلة تجمع بين المطالب الوطنية والمصالح الأمنية الإقليمية والدولية.
وبين استحضار تاريخ الثورة وتحديد أولويات المرحلة الراهنة، تضع الكلمة الجنوب أمام استحقاقات متعددة: الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، وتنظيم التعبئة الشعبية، وتعزيز حماية الأرض، ومواصلة العمل السياسي والدبلوماسي، وتحويل المطالب المعلنة إلى خطوات عملية.
وعليه، فإن الذكرى الثالثة والستين لثورة أكتوبر، وفق الرسائل التي حملتها الكلمة، لا تُطرح باعتبارها مناسبة لاستذكار الماضي فحسب، بل بوصفها محطة لتجديد الالتزام بالمشروع الوطني الجنوبي، وتأكيد أن معركة المستقبل، كما يقدمها الخطاب، تتطلب تكامل الجهد الشعبي والعسكري والسياسي، بما يضع هدف استعادة الدولة كاملة السيادة في صدارة الأولويات المعلنة
زر الذهاب إلى الأعلى