بقلم : نادرة عبدالقدوس
لم نكن نعرف، عندما كنا صغاراً في المرحلة الابتدائية، في مدارس عدن، عن سبب خروجنا في مظاهرات طلابية، أحياناً ولكننا كنا نشعر بالسعادة والحبور، حين كانت تدك باب المدرسة، مجاميع طلابية، أكبر منا وربما كانوا في المرحلة المتوسطة من التعليم ويطالبوا بخروجنا معهم.
وفي نهاية عام ١٩٦٣م، خرجت مظاهرة طلابية كبيرة، من مدارس البنات والأولاد، في المستعمرة عدن، (كريتر) اقصد، رافعة شعارات مناهضة للاستعمار البريطاني وكنا، كالعادة، معهم. وأتذكر أننا كنا نرمي بالحجارة وزجاجات فارغة، على جنود بريطانيين، يتمنطقون بالأسلحة ولكنهم كانوا يقفون يتفرجون علينا بسحنات غاضبة، كان الطلاب، الأكبر منا سناً، يصرخون بالإنجليزية”Go out from our country”، عرفت فيما بعد ترجمتها بالعربية”أخرجوا من وطننا” وفهمت بعد حين من الزمن، أن ذاك اليوم، كان من تأثير اندلاع شرارة ثورة الرابع عشر من أكتوبر.. كنت آنذاك في الثامنة من عمري.
لم ولن يمحو الزمن من ذاكرتي، ما حييت، أحداث السنوات اللاحقة التي حملت في طياتها عنفوان الثورة و قوتها وعزيمتها وصرخة شعب الجنوب ضد الاحتلال الأجنبي، الصرخة التي وصل صداها إلى المحافل العربية والدولية؛ فمارت الأرض موراً تحت أقدام سلطات الاحتلال البريطاني وأصابت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، كما كانوا يلقبونها، بالجنون وكانوا يتساءلون، في حيرة من أمرهم، “من أنّى لهذا الشعب الوعي السياسي؟!” وكيف استطاع أن يوحد صفوفه من أجل الاستقلال؟! وكانت الأكثر إيلاماً لقوات الاحتلال البريطاني، عندما تُنفذ عمليات فدائية عديدة وفي مواقع مختلفة ضدهم ولم يجدوا أثراً للمنفذين وكأن هناك أشباحاً تهاجمهم ولا يرونها بالعين المجردة.
لم ينل شعب الجنوب العربي استقلاله في ٣٠ نوفمبر ١٩٦٧م، على طبق من فضة ولم تكن الأرض مفروشة بالورود، تحت أقدام الوطنيين والفدائيين الأبطال، من كل فصائل العمل الوطني الجنوبية، بل كانت سنوات عدة، من النضال السياسي والوطني والكفاح المسلح، ممزوج بالدماء، اجترحته عناصر جنوبية وطنية، من الجنسين، في كل أرجاء الجنوب، من المستعمرة عدن إلى كل إمارات الجنوب، آنذاك. وها هو المشهد اليوم يتكرر، لكن بصبغة أخرى، إلا أن الهدف واحد وهو تحقيق الاستقلال الثاني وتأسيس دولة بدون أية وصايا خارجية، دولة نظام وقانون، يتساوى أمامه المواطنون.
يناضل اليوم شعب الجنوب ويقدم فلذات أكباده، من أجل الدفاع عن حياض الجنوب العربي ولا شيء سواه.
سيذكر التاريخ مواقف عروبية قومية ودينية لشعب الجنوب العربي وما يجترحه اليوم من بطولات، تحت راية المجلس الانتقالي الجنوبي العربي بقيادة رئيسه، عيدروس قاسم الزُبيدي. وهذه الصفحات المشرقة من ذاكرة الزمن، ستضاف إلى ما سطره هذا الشعب الأبي، طوال قرون طويلة، من النضال من أجل الحرية والكرامة، منذ محاولة الإغريق ومن ثم البرتغاليون والدول التي تلتهم لاحتلال عدن وآخرها الاحتلال البريطاني، جميع أولئك تركوا عدن منكسرين، مهزومين، لم ينالوا من شعب الجنوب وأرضه غير الخزي والعار والخيبة. وأقسم بالله العظيم، أن النصر المؤزر قادم لا محالة وأننا لمنتصرون، بإذن الله.
زر الذهاب إلى الأعلى