مقالات وتحليلات

كلمة الرئيس الزبيدي في الذكرى 63 لأكتوبر: بين أهداف التعبئة وورقة الاعتراف بالمشروع الجنوبي

كلمة الرئيس الزبيدي في الذكرى 63 لأكتوبر: بين أهداف التعبئة وورقة الاعتراف بالمشروع الجنوبي

 

بقلم: د. أمين العلياني

تُمثّل كلمة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية، بمناسبة الذكرى الـ63 لثورة 14 أكتوبر المجيدة، محطة مفصلية استراتيجية وتصعيدًا سياسيًّا وعسكريًّا مدروسًا يرسم ملامح المرحلة القادمة في مسار قضية شعب الجنوب. ولم تأتِ كلمته التاريخية بوصفها خطابًا عاطفيًّا يستميل به شعبه الذي خرج اليوم تأييدًا وتاكيدًا للتفويض الذي منحه إياه الشعب منذ 4 مايو 2017م، بل جاءت كلمته في لحظة تاريخية دقيقة تتقاطع فيها متغيرات إقليمية متسارعة مع تصعيد حوثي ميداني على حدود الجنوب، ما يمنحه ثقلًا استثنائياً ويتجاوز كونه خطاباً احتفاليًّا إلى وثيقة سياسية موجِّهة.

وقد حملت كلمة الرئيس الزبيدي موقفًا حاسمًا وواضحًا لا لبس فيه ضد جماعة الحوثي، إذ اعتبرها تهديدًا وجوديًّا لا يمكن المهادنة معه أو التعايش معه. وهذا التوصيف يتجاوز اللغة السياسية الدبلوماسية المعتادة إلى تعريف الصراع بوصفه صراع وجود لا صراع حدود، وهو ما يمهّد منطقيًّا لخيارات تصعيدية مفتوحة. وجاء إعلان التعبئة العامة وحشد الطاقات والإمكانات الشعبية والعسكرية — من خلال الانخراط في مراكز التعبئة ودعم الجبهات — ليعكس تحولًا نحو الجاهزية القصوى، والرد الصارم على التصعيد والاعتداءات الحوثية على حدود الجنوب، مثل جبهات الصبيحة والضالع ويافع وغيرها. وهنا تُطرح كلمة الرئيس الزبيدي دول التحالف والمجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي في منح الجنوب القدرة اللوجستية والمالية لإدارة تعبئة مفتوحة زمنيًا؟؛ فالتعبئة الشعبية سلاح ذو حدين؛ إذ تمنح زخمًا ميدانيًّا، لكنها قد تفتح الباب لتوترات داخلية إذا طال أمدها دون إسناد إقليمي لكي تحقق تلك التعبئة انتصارات ملموسة والجنوب مشهود له بالإخلاص والقتال إذا كان التحالف العربي صادقًا في قتال الحوثي وتحجيم قدراته التي يطاول بها على سيادة المملكة العربية السعودية والبحر الأحمر والحدود الجنوبية. كما ربط الزبيدي بين الجبهة الداخلية وقوات الأمن والقوات المسلحة الجنوبية، داعيًا إلى صفٍّ وطني واحد لحماية الأرض والوجود الجنوبي، وهو ربط يحمل دلالة مزدوجة: توحيد الجبهة الداخلية في مواجهة الخطر الخارجي، وفي الوقت ذاته تحصين القيادة ضد أي أصوات معارضة داخلية تحت ذريعةالضرورة الوطنية.

  وعلى المستوى السياسي، أكد الزبيدي في كلمته المضي قدمًا في المسار السياسي استنادًت إلى الإعلان الدستوري والبيان السياسي (الصادرين في مطلع يناير 2026) إلى جانب الميثاق الوطني الجنوبي. وهذه الخطوة تحمل دلالة عميقة، تعني الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية المؤسسية المكتوبة. فبعد عقود من المطالبة بالحقوق دون إطار وثائقي ناظم، بات للجنوب مرجعيات مكتوبة يمكن الاحتكام إليها أمام الإقليم والعالم. وتمسك القيادة بهذه الوثائق يُعد رسالة تأكيد على أن الإطار التنظيمي والمؤسسي للجنوب بات يمتلك وثائق حاكمة وناظمة ومكتملة الأركان، لا يمكن التراجع عنها أو تجاوزها في أي تسويات قادمة، فهي تعبّر عن إرادة الشعب والشارع الجنوبي الذي احتشد في المليونيات الأخيرة ومليونية اليوم التي وصفها بمليونية التعبئة. غير أن الخطر الكامن هنا يتمثل في احتمال الجمود السياسي؛ فالتشبث بمرجعيات أحادية الجانب قد يُغلق أبواب التفاوض مع أطراف لا تعترف بها، ويُطيل أمد الصراع بدل تسويته.

أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فقد وجّه الرئيس الزبيدي دعوة صريحة ومباشرة للمملكة العربية السعودية الشقيقة، ودول الإقليم، والمجتمع الدولي، للاعتراف بالبيان السياسي والإعلان الدستوري. وهذه الدعوة تحمل بعدًا تكتيكيًّا واضحًا: ربط الاعتراف السياسي بالمصلحة الأمنية للقوى الإقليمية والدولية، إذ يرتكز هذا الطلب على حقيقة دور القوات الجنوبية والمشروع الجنوبي كحائط صد حصين وفاعل أساسي وموثوق في تأمين الملاحة الدولية، ومكافحة التنظيمات الإرهابية، وكسر شوكة الميليشيات الحوثية المتمردة. وهذا الطرح يستثمر الموقع الجغرافي الاستراتيجي للجنوب (باب المندب، خليج عدن، الممرات البحرية الحيوية) بوصفها ورقة ضغط سياسية. ورسالة الكلمة للمجتمع الدولي والإقليم تفيد بأن تجاهل الواقع المؤسسي والعسكري على الأرض في الجنوب لم يعد مجديًّا، وأن الاعتراف بالمسار الجنوبي هو الضمانة الحقيقية لاستقرار المنطقة وتأمين خطوط التجارة العالمية ومحاربة قوى التخريب والإرهاب.

غير أن هذه الكلمة، بقدر ما تحمل من قوة ووضوح، تحمل أيضًا مخاطر جسيمة يتعين على القيادة الجنوبية إدارتها بوعي استراتيجي. فأولاً، إعلان التعبئة العامة يضع الجنوب أمام احتمال حرب طويلة الأمد مع الحوثيين، وهي حرب قد تُنهك الموارد البشرية والاقتصادية للجنوب قبل أن تحقق أهدافها السياسية. وثانيًا، التشبث بمرجعيات أحادية الجانب دون مرونة تفاوضية قد يُفضي إلى عزلة سياسية عن بعض الأطراف الإقليمية والدولية التي لا تزال تتعامل مع الشرعية اليمنية بوصفها إطارًا جامعًا. وثالثًا، الخطاب التوحيدي الذي يرفع شعار الصف الوطني الواحد قد يُخفي تصدعات داخلية كامنة، خصوصًا في ظل تعدد المكونات الجنوبية وتنوع مطالبها؛ وإذا لم تُدار هذه التصدعات بحكمة، فقد تتحول التعبئة إلى أداة إقصاء بدل أن تكون أداة توحيد. ورابعًا، ربط الاعتراف بالدعم الإقليمي والدولي يضع مستقبل قضية سعع الجنوب رهينة توازنات القوى الخارجية، ما قد يُفقد القيادة الجنوبية جزءًا من سيادتها في القرار.

وهكذا، جاءت كلمة الرئيس عيدروس الزبيدي في ذكرى 14 أكتوبر لتؤكد أن الجنوب يزاوج بحكمة بين الصلابة العسكرية والتعبئة العامة لمواجهة خطر الحوثيين، وبين الوضوح السياسي والثبات على المرجعيات الوطنية (الإعلان الدستوري والميثاق الوطني)، موجّهةً نداءً استراتيجيًّا للأشقاء والأصدقاء في الإقليم والعالم بضرورة الاعتراف بهذا الثقل السياسي والعسكري بوصفه الشريك الأقوى والأكثر انضباطًا في حماية الأمن القومي العربي والملاحة الدولية. غير أن هذه الكلمة، بقدر ما تحمل من قوة ووضوح، تحمل أيضًا مخاطر جسيمة يتعين على القيادة الجنوبية إدارتها بوعي استراتيجي: فالتعبئة التي لا تُدار بذكاء قد تتحول إلى استنزاف، والتمسك بالمرجعيات دون مرونة قد يُفضي إلى عزلة، والاعتماد على الخارج ودون الوضوح معه بمشروع الجنوب قد يُقوّض السيادة. والرهان الحقيقي ليس في قوة الخطاب، بل في حكمة التنفيذ.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى