صوت الضالع/ تقرير / رامي الردفاني
لم تعد التطورات التي تشهدها المنطقة تسمح بالتعامل مع أمن الجنوب العربي باعتباره شأناً محلياً منفصلاً عن التحولات الإقليمية، في ظل تداخل المصالح السياسية والعسكرية، وتصاعد التنافس على المواقع الاستراتيجية والممرات البحرية في الجنوب العربي.
وفي ظل هذه المعادلات، تبرز دعوة التعبئة الشعبية التي أطلقها الرئيس عيدروس بن قاسم الزُبيدي بوصفها مؤشراً على أهمية توحيد الجبهة الداخلية، وتعزيز التلاحم بين المجتمع والقوات المسلحة الجنوبية، في مواجهة التحديات التي تمس أمن الأرض ومستقبل القرار الوطني.
كما تكتسب هذه الدعوة أهميتها من طبيعة المرحلة التي يمر بها الجنوب العربي، حيث تتقاطع التحديات الأمنية مع حسابات إقليمية تتجاوز حدود المواجهات المباشرة، وتفرض على القوى الوطنية قراءة دقيقة لمآلات التطورات المحيطة.
كما إن الموقع الجغرافي للجنوب، وإشرافه على ممرات بحرية بالغة الأهمية، جعلاه جزءاً من معادلة استراتيجية ترتبط بأمن الملاحة الدولية وتوازنات المنطقة، الأمر الذي يجعل مسألة حماية سيادته ومصالح أبنائه قضية محورية في أي نقاش بشأن مستقبل الأمن الإقليمي.
وفي ظل هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى التعبئة الشعبية باعتبارها مجرد استجابة لنداء سياسي، بل باعتبارها تعبيراً عن الحاجة إلى بناء موقف داخلي متماسك، قادر على التعامل مع المتغيرات دون أن تتحول التحديات الخارجية إلى مدخل لإضعاف الجبهة الوطنية. فالتجارب التي مرت بها المنطقة أظهرت أن هشاشة الداخل والانقسامات السياسية كثيراً ما تفتح المجال أمام التدخلات الخارجية، وتمنح الأطراف المتنافسة فرصاً لتوسيع نفوذها على حساب المجتمعات ومصالحها.
كما يمثل التلاحم بين الشعب والقوات المسلحة الجنوبية أحد الملفات الأساسية في معادلة الاستقرار، باعتبار أن حماية الأرض لا تتوقف عند حدود الجاهزية العسكرية، وإنما ترتبط أيضاً بوجود مجتمع متماسك ومؤسسات قادرة على أداء مسؤولياتها.
فإن الاستجابة للتعبئة الشعبية تضع أمام مختلف المكونات والفعاليات مسؤولية تعزيز الوعي الوطني، وتوحيد المواقف حول القضايا المرتبطة بالأمن والسيادة، بعيداً عن الخلافات التي قد تؤثر على تماسك الجبهة الداخلية.
غير أن أهمية هذا التلاحم لا تقاس بالمواقف المعلنة وحدها، بل بقدرته على التحول إلى عمل مؤسسي منظم، يحترم القانون ويحافظ على سلامة المواطنين، ويعزز التنسيق بين الجهات المعنية بالأمن والاستقرار. فالمجتمعات التي تواجه تحديات معقدة تحتاج إلى وعي مسؤول، وخطاب سياسي متزن، ومؤسسات تمتلك القدرة على التعامل مع المخاطر دون الإضرار بالحياة العامة أو المصالح المدنية.
كما أن المسؤولية الوطنية لا تقع على عاتق المؤسسات العسكرية والأمنية وحدها، بل تمتد إلى القوى السياسية والاجتماعية والإعلامية، التي يقع عليها دور مهم في حماية النسيج المجتمعي ومواجهة الشائعات والتحريض، وتقديم المعلومات الموثوقة التي تساعد المواطنين على فهم طبيعة التطورات المحيطة بهم.
تفرض الجغرافيا الجنوبية نفسها بقوة في الحسابات الاستراتيجية للمنطقة، بالنظر إلى موقعها المطل على خليج عدن وبحر العرب، وقربها من مضيق باب المندب، الذي يمثل أحد أهم شرايين التجارة والملاحة الدولية وهذه الأهمية تجعل الجنوب حاضراً في حسابات القوى الإقليمية والدولية، سواء فيما يتعلق بأمن الممرات البحرية أو بالتوازنات العسكرية والسياسية في المنطقة.
ورغم الموقع الاستراتيجي، وأهميته، لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاوز إرادة أبناء الأرض أو التعامل مع جغرافيا الجنوب باعتبارها مساحة متاحة لتنفيذ مشاريع الآخرين. فالمصلحة الوطنية تقتضي أن يكون أي تعاون أو تنسيق إقليمي قائماً على احترام السيادة والمصالح المتبادلة، وألا تتحول التضحيات التي قدمها الجنوبيون إلى وسيلة لتحقيق أهداف لا ترتبط بأولوياتهم أو تطلعاتهم السياسية.
وفي، ظل التهديدات المرتبطة بجماعة الحوثيين وارتباطاتها الإقليمية أحد أبرز مصادر القلق الأمني في المنطقة، خصوصاً في ظل انعكاسات الصراع على أمن الملاحة البحرية والاستقرار الإقليمي .. وقد جعلت هذه التطورات من حماية الممرات البحرية ومواجهة الأنشطة العسكرية العابرة للحدود أولوية تتطلب تنسيقاً إقليمياً ودولياً مسؤولاً.
إلا أن مواجهة هذه التهديدات ينبغي ألا تتحول إلى مدخل لتوسيع الصراعات أو فرض ترتيبات تتعارض مع المصالح الجنوبية. فالتعامل مع المخاطر الأمنية يتطلب وضوحاً في الأهداف والوسائل، وتنسيقاً يحترم السيادة، ويضمن أن تكون حماية الأرض والمجتمع في مقدمة الاعتبارات، لا أن يصبح الجنوب ساحة إضافية لتصفية الحسابات الإقليمية.
كما أن تعزيز الأمن يتطلب مقاربة أوسع تشمل تطوير المؤسسات، ومكافحة التهريب، وحماية المنشآت الحيوية، ورفع كفاءة الأجهزة المختصة، إلى جانب بناء علاقات تعاون مع الأطراف المعنية بأمن المنطقة .
وتكشف طبيعة التحديات الراهنة أن وحدة الصف الجنوبي لم تعد مجرد مطلب سياسي أو شعار ترفعه القوى المختلفة، بل أصبحت ضرورة ترتبط مباشرة بحماية المصالح الوطنية .. فالتباينات الداخلية، إذا تحولت إلى صراعات مفتوحة، قد تضعف القدرة على مواجهة التحديات الخارجية، وتمنح الأطراف المتربصة فرصة لاستثمار الخلافات وإعادة تشكيل المشهد وفق حساباتها الخاصة.
كما تمثل دعوة التعبئة الشعبية التي أطلقها الرئيس عيدروس الزُبيدي قضية السيادة والتلاحم الوطني في صدارة المشهد، وتعيد التأكيد على أن حماية الجنوب مسؤولية مشتركة تتطلب وحدة الموقف وتكامل الأدوار بين المجتمع والمؤسسات والقوات المسلحة.
فالجنوب الذي قدم أبناؤه تضحيات كبيرة في سبيل حماية أرضهم، لا يمكن التعامل معه باعتباره ممراً لتحقيق أهداف الآخرين، أو مساحة لتوظيف قواته في صراعات لا تخدم مصالح شعبه.
كما أن موقع الجنوب الاستراتيجي لا يمنح أي طرف حق تجاوز إرادة أبنائه أو التعامل مع مقدراته بمعزل عن تطلعاتهم الوطنية.
كما إن حماية الجنوب تبدأ من وحدة أبنائه، ومن قدرة مؤسساته على صون أمنه واستقراره، ومن رفض تحويل جغرافيته وتضحياته إلى أوراق في حسابات الآخرين
زر الذهاب إلى الأعلى