بقلم/ أصيل هاشم
ما تشهده الحدود الجنوبية اليوم ليس مجرد مواجهات عسكرية عابرة، بل معركة تتعلق بأمن الجنوب ومستقبله وحق أبنائه في حماية أرضهم وكرامتهم. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه التهديدات وتتكاثر الحملات الإعلامية، يقف أبطال القوات المسلحة الجنوبية في مواقعهم، وسط ظروف ميدانية صعبة وتضاريس قاسية، مؤكدين أن الجنوب ليس أرضاً مستباحة، وأن إرادة أبنائه لا يمكن كسرها بالتهديد أو الترهيب.
لقد أثبتت التجارب أن من يراهن على إخضاع الجنوب بالقوة لا يعرف حقيقة هذا الشعب ولا يقرأ تاريخه جيداً. فالجنوب الذي قدم آلاف الشهداء والجرحى في سبيل الدفاع عن أرضه، لن يقبل أن تتحول حدوده إلى ممر لمشاريع الآخرين، ولن يسمح بفرض واقع جديد على حساب تضحيات أبنائه.
وفي المقابل، تواصل مليشيات الحوثي حملاتها الإعلامية وترويج روايات الانتصارات والتقدمات العسكرية، وكأن المعارك تُحسم بالبيانات والتصريحات والمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن الحقيقة أن الميدان هو الفيصل، وليس ما تكتبه المطابخ الإعلامية. فالانتصارات لا تُثبت بالشعارات، وإنما بالوقائع والأدلة والشواهد الميدانية.
والأمر الأكثر خطورة أن تلجأ هذه المليشيات إلى إطلاق الصواريخ باتجاه العاصمة عدن والمناطق المدنية، في سلوك يكشف مدى استخفافها بحياة المواطنين وأمنهم. فاستهداف المدن والمنشآت المدنية لا يمكن اعتباره إنجازاً عسكرياً، بل هو اعتداء مدان وجريمة يجب أن يواجهها المجتمع الدولي بموقف واضح.
لقد جاء خطاب الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي بشأن التعبئة الشعبية العامة في مرحلة تتطلب من الجميع إدراك حجم المسؤولية، والوقوف صفاً واحداً خلف القوات المسلحة الجنوبية. فالمرحلة لم تعد تحتمل التردد أو الحسابات الضيقة، والدفاع عن الأرض مسؤولية لا تقع على عاتق المقاتلين وحدهم، بل هي مسؤولية شعب وقيادة ومؤسسات وإعلام.
ومن الصبيحة إلى كرش والضالع، وصولاً إلى شبوة وحضرموت، تتوحد الجغرافيا الجنوبية في مواجهة التحديات. فأمن الجنوب لا يتجزأ، وأي تهديد يستهدف محافظة جنوبية هو تهديد لبقية المحافظات. ومن يعتقد أن بإمكانه استهداف منطقة وترك أخرى خارج دائرة الخطر، فهو واهم.
لكن الواجب اليوم لا يقتصر على رفع الشعارات وإطلاق المواقف الحماسية، بل يتطلب توفير الدعم الحقيقي للقوات المرابطة، وتأمين احتياجاتها، والاهتمام بأوضاع المقاتلين وأسر الشهداء والجرحى. فمن غير المقبول أن نطالب الأبطال بالصمود والتضحية، ثم نتركهم يواجهون قسوة الجبهات دون الإمكانات التي يستحقونها.
كما أن الإعلام الجنوبي أمام مسؤولية تاريخية، وعليه أن يكون حاضراً في نقل حقيقة ما يجري، وكشف الادعاءات المضللة، وإيصال صوت المرابطين إلى الداخل والخارج. لم يعد مقبولاً أن تترك الساحة للروايات الحوثية حتى تصنع لنفسها انتصارات من خلال مقاطع قديمة أو معلومات مضللة. وفي الوقت ذاته، فإن الإعلام المسؤول لا يبالغ ولا ينشر أخباراً غير مؤكدة، لأن قوة الموقف تبدأ من صدق المعلومة.
والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل من يراهن على إضعاف الجنوب واضحة: هذا الشعب لم يصل إلى ما وصل إليه بسهولة، ولم يقدم كل تلك التضحيات حتى يتنازل عن حقه في حماية أرضه وتقرير مستقبله. ومن يعتقد أن الصواريخ والتهديدات والحملات الإعلامية قادرة على إخافة أبناء الجنوب، فعليه أن يراجع حساباته.
إن الجنوب بحاجة اليوم إلى وحدة الصف، ورفع مستوى الجاهزية، وتعزيز الثقة بين الشعب وقيادته وقواته المسلحة، بعيداً عن المناكفات والتخوين والمزايدات التي لا تخدم إلا خصومه. فالمعركة أكبر من المصالح الشخصية، وأخطر من أن تُترك للأصوات التي تبحث عن الشهرة على حساب دماء المقاتلين.
لسنا بحاجة إلى انتصارات تصنعها المنشورات، ولا إلى بطولات تُروى دون دليل؛ نحن بحاجة إلى ثبات في الميدان، ودعم حقيقي للمرابطين، وموقف سياسي وإعلامي بحجم التحديات.
سيبقى الجنوب متمسكاً بأرضه وحقه وكرامته، وستظل حدوده مسؤولية أبنائه، ولن تكون هذه الأرض ساحة مفتوحة لأوهام الغزاة ومشاريع الهيمنة.
الرحمة للشهداء، والشفاء للجرحى، والتحية لكل الأبطال المرابطين في جبهات العزة والكرامة.
الجنوب العربي ليس أرضاً مستباحة.. والحدود الجنوبية مقبرة لأوهام الغزاة.
#اصيل_هاشم
زر الذهاب إلى الأعلى