بقلم / د. أمين العلياني
في مساءٍ تتقاطع فيه أصوات الرصاص مع أنين الريح على تخوم الأرض الجنوبية، كان صديقي سالم يجلس على حجرٍ متآكلٍ عند مدخل قريته، يحتضن بندقيته كما يحتضن أبٌ طفلًا نام على صدره بعد طول انتظار، وحين اقترب منه رفيقه عبدالله وسأله: لماذا تصمد هنا وقد تركك العالم خلف ظهره؟ أجاب دون أن يرفع عينيه عن الأفق: لأنني لا أحرس ترابًا، بل أحرس ذاكرةً أرادوا لها أن تُطمس، وأحرس دولةً أرادوا لها أن تبقى حبيسة الأدراج. ولم يكن سالم يعلم أن جملته العابرة تلك ستكون مفتاحًا لفهم معادلةٍ كبرى يتعثر فيها صانعو القرار في الرياض، معادلةٍ مفادها أن الجنوب ليس ملفًا يُدار، بل شعبٌ يحب أن تُستعاد دولته، وأن المناصب التي تُوزَّع بالتزكية لا تصنع شرعيةً ولا تشتري ذاكرة.
لقد أثبتت سنوات المواجهة الطويلة أن قضية شعب الجنوب ليست ابنة لحظةٍ تفرزها مصلحة السلطة، ولا نتيجةً جانبية لحربٍ طارئة، بل هي نهرٌ جارفٌ من الذاكرة والهوية والتطلعات، يتدفق من جبال الأحقاف إلى سواحل عدن، ومن موانئ المكلا إلى سهول لحج وأبين، حاملًا في مياهه حكاية شعبٍ لم ينسَ أنه كان دولةً، ولم يقبل أن يُختزل بعد اليوم في ترتيباتٍ إدارية أو حصصٍ وظيفية تُرسم في غرفٍ مغلقة؛ فالمقاتل الذي يترك أسرته ويقف في الخنادق ويواجه الموت بابتسامةٍ باردة لا يمكن أن تُقرأ تضحياته بمعزل عن قضيته السياسية التي يؤمن بها، ولا يمكن أن يُطلب منه أن يفصل دمه عن الأرض التي يدافع عنها، أو أن يتخلى عن حلمه الوطني بمجرد أن تتغير حسابات الأطراف الإقليمية وتتبدل أولوياتها كما تتبدل الفصول.
وهنا تتكشف المفارقة التي تستحق أن تتوقف أمامها الرياض طويلًا، وتتأملها بعينٍ صافيةٍ لا تحجبها غيوم الحسابات الأمنية؛ فحين تشتد المعركة وتحتاج الميادين إلى الرجال، يصبح الجنوب حاضرًا برجاله وقواته ومجتمعه، وتُستدعى تضحياته إلى واجهة المشهد، وتُروى بطولاته في التقارير والخطابات، لكن حين تُفتح ملفات السياسة وتقاسم النفوذ، يُعاد التعامل معه وكأنه مجموعةٌ من المكونات والأسماء والحصص التي يمكن إعادة تشكيلها من خارج إرادة شعبه، وكأن دماء الشهداء أصبحت عملةً يمكن صرفها في سوق المساومات. إن هذه ليست مجرد مفارقةٍ إجرائية عادية، بل إشكاليةٌ سياسية عميقة تمس جوهر الشراكة ومصداقية أي حديثٍ عن الاستقرار، لأن الأمن لا يُبنى على إضعاف المجتمعات المعنية به، والاستقرار لا يتحقق بتهميش القوى التي تتحمل أعباءه.
واليوم، مع ظهور قائمة الوزراء الجنوبيين الجدد، تتجسد هذه المفارقة في أبهى صورها وأكثرها إيلامًا؛ فبعض من كانوا يتشدقون بالجنوب في المنابر، ويدّعون أنهم مناضلون فدائيون لأجل قضية شعبهم، وكانوا يرفعون شعارات الاستعادة في كل مناسبة، إذا بهم اليوم يتحولون إلى أداةٍ من أدوات اللجنة الخاصة السعودية، تُمنح لهم الحقائب الوزارية جزاءً على تأطيرهم في دهاليز العمل الاستخباراتي خيانة لمشروعهم، وكأن الوزارة أصبحت مكافأةً على الطاعة، وغطاءً لتصفية الحسابات، وسندًا لإعادة هندسة المشهد الجنوبي وفق أجنداتٍ لا علاقة لها بإرادة الشعب.
إن هؤلاء الذين باعوا ذاكرة الشهداء بثمنٍ بخسٍ لم يدركوا أن الوزارة التي تُمنح بهذه الطريقة لا تصنع شرعيةً، بل تصنع وصمةً؛ وأن الحقيبة التي تُحمل بالتزكية من سفير أصبح وصي على قضيته وشرعية مهترئة لا ترفع صاحبها، بل تخفضه في ميزان الشعب الذي يعرف من ثبت ومن تخاذل، ومن حمل البندقية في الخندق ومن حمل الحقيبة في الدهليز.
إن رسالتنا إلى الرياض واضحةٌ كشمس الجنوب في منتصف النهار: شعب الجنوب لا يقاتل من أجل منصبٍ وزاري هنا، أو موقعٍ قيادي هناك، ولا ينتظر أن تُعاد إليه حقوقه عبر تدوير شخصياتٍ في قوائم التعيينات، أو توزيع مواقع سياسية وفق معايير الولاء والتزكية؛ فالجنوب ليس قضية أفرادٍ يبحثون عن مواقع، ولا مظلوميةً حقوقية يمكن احتواؤها ببعض المقاعد والمكاسب الوظيفية؛ إنه قضية شعبٍ له ذاكرةٌ وطنية، وهويةٌ سياسية، وتطلعاتٌ معلنة إلى استعادة دولته. ومن يختزل قضية شعب الجنوب في مناصب تمنحها لجنةٌ أو تسحبها جهة، إنما ينقلها من مستواها الوطني والتاريخي إلى سوق المساومات، ويستبدل جوهرها السياسي بقشرةٍ إدارية لا تعالج أصل المشكلة ولا تحقق العدالة التي ينشدها أصحابها.
إن المنصب، في المفهوم السياسي السليم، مسؤوليةٌ واستحقاقٌ تحكمه الكفاءة والنزاهة والتمثيل والالتزام بالمصلحة العامة، وليس مكافأةً على القرب من دوائر النفوذ، ولا شهادةً تمنحها جهةٌ خارجية لمن توافق حساباتها والشرعية الوطنية لأي شخصية لا تُستمد من موقعها الوظيفي وحده، وإنما من صلتها بقضايا مجتمعها، ومواقفها في اللحظات الفاصلة، وقدرتها على التعبير عن تطلعات الشعب والدفاع عن حقوقه؛ فبين الانتماء الجغرافي والتمثيل السياسي مسافةٌ لا يجوز القفز فوقها؛ فالأول حقيقةٌ اجتماعية، أما الثاني فمسؤوليةٌ سياسية تستند إلى التفويض والثقة والموقف والالتزام وليس كل من حمل صفةً جنوبية أصبح بالضرورة معبرًا عن المشروع السياسي الجنوبي، كما أن تولي منصبٍ رفيع لا يمنح صاحبه تلقائيًا صفة الممثل الشعبي وهؤلاء الذين يتبوؤون اليوم وزاراتٍ لم يأتوا بها من رحم المجتمع، بل من رحم الحسابات الأمنية، ليسوا إلا واجهاتٍ تُراد بها تغطية سياساتٍ لا يرضاها الشعب، وأسماءٍ تُستعمل لإضفاء شرعيةٍ زائفة على ترتيباتٍ تخدم مصالح الأطراف الإقليمية أكثر مما تخدم قضية الجنوب.
ولعل ما يضاعف حدة هذا التناقض أن المجتمع الجنوبي لم يعد يتعامل مع المواقف السياسية بوصفها تصريحاتٍ موسمية أو ألقابًا رسمية، بل بات ينظر إلى السلوك العملي في لحظات الاختبار؛ فمن ثبت عندما تعرضت القوات الجنوبية للضرب، وواجه مشروعه محاولات الإقصاء، وتعرضت مؤسساته لضغوط التفكيك وإعادة التشكيل، ليس كمن اختار الصمت أو الابتعاد حين أصبحت القضية أمام امتحانها الحقيقي ومن يتحدث عن الجنوب في المكاتب المغلقة، لكنه لا يجد مساحةً للتعبير عن هويته الوطنية في حضوره الرسمي، ولا يرى ضرورةً لمشاركة أبناء شعبه في مناسباتهم السياسية والوطنية، يضع نفسه أمام سؤال التمثيل الذي لا تجيب عنه المناصب ولا تحسمه التزكيات؛ فالرمز الوطني ليس قطعة قماشٍ تُرفع في مناسبة ثم تُطوى، بل تعبيرٌ عن هويةٍ وذاكرةٍ وتطلعات، والموقف السياسي ليس عبارةً تُقال حين تكون الظروف مواتية، بل اختبارٌ حقيقي للثبات عندما تتعارض المصالح مع المبادئ.
أما الرياض، فإن من حقها أن تكون لها رؤيتها ومصالحها وحساباتها الأمنية والسياسية، ومن حقها أن تبحث عن ترتيباتٍ تضمن أمن حدودها واستقرار المنطقة، لكن ليس من الحكمة أن تتحول هذه المصالح إلى بديلٍ عن إرادة شعب الجنوب، أو أن يُطلب من الجنوبيين التخلي عن مشروعهم الوطني مقابل امتيازاتٍ فردية، أو أن يُربط الاعتراف بقضيتهم بمدى استعدادهم لقبول صيغ تمثيلٍ لا يختارونها؛ فالقضايا الوطنية لا تُحل بإعادة ترتيب الواجهات، وإنما بمعالجة أسبابها وجذورها، ولا تُغلق ملفاتها بتوزيع المناصب، وإنما بإقامة تسويةٍ تعترف بالحقوق السياسية واحترام خيارات الشعب تجاهها وتضع لها ضماناتٍ واضحة. إن المطلوب ليس إدارة الجنوب بوصفه ملفًا أمنيًا، ولا التعامل مع قضيته بوصفها مشكلةً يمكن احتواؤها بتشكيل لجانٍ وتدوير قيادات، بل الانتقال إلى مقاربةٍ سياسية تعترف بوجود قضيةٍ وطنية ذات مطالب مشروعة، وتتعامل معها من خلال التفويض الشعبي الذي يمنح الشعب لكي يضمن حقه في اختيار ممثله، وتحديد مستقبله، وصياغة ترتيباتٍ سياسية عادلة تحفظ مصالح الجميع.
لقد آن الأوان أن يُفهم الفارق بين جنوبٍ يُراد له أن يكون قوةً حاضرةً في المعارك، وجنوبٍ يريد شعبه أن يكون حاضرًا أيضًا في صناعة مستقبله؛ وبين قواتٍ يُطلب منها حماية الأرض، وشعبٍ يطالب بحقه في تقرير مصيرها؛ وبين قياداتٍ تُمنح مواقعها بالتزكية، وقيادةٍ سياسية تستمد شرعيتها من التفويض الشعبي. وهذه الفوارق ليست تفاصيل لغوية أو خلافاتٍ على الأسماء، بل هي جوهر المعادلة التي ينبغي أن تُبنى عليها أي تفاهماتٍ مقبلة؛ فالجنوب لا يطلب منصبًا يعوّضه عن دولة، ولا حقيبةً وزاريةً تختصر تاريخه، ولا مقعدًا سياسيًا يُسكت مطالبه، ولا تزكيةً من لجنةٍ تمنحه صفةً لا يصنعها إلا الشعب. الجنوب يريد أن تُقرأ تضحياته في سياق قضيته، وأن يُحترم حق شعبه في اختيار ممثليه، وأن يكون شريكًا في تقرير مستقبله، لا مجرد قوةٍ تُستدعى حين تشتد المعارك ثم تُستبعد حين تُرسم خرائط السياسة.
ومن يظن أن بالإمكان استبدال مشروع استعادة الدولة بحزمةٍ من التعيينات، أو إطفاء ذاكرة شعبٍ بمكاسب عابرة، لم يدرك بعد طبيعة القضية التي يتعامل معها؛ فالمناصب تتغير، والوزارات تتبدل، واللجان تنتهي صلاحياتها، أما القضايا الوطنية فلا تسقط بانتهاء دورةٍ سياسية، ولا تُمحى بتغيير أسماء المسؤولين.
ومن هنا فالجنوب دولةٌ في ذاكرة شعبه، ومشروعٌ في إرادته السياسية، وحقٌّ لا تختصره قوائم التعيينات؛ إنه وطنٌ يريد شعبه أن يستعيده، لا منصبًا ينتظر من يزكيه؛ وقضيةٌ لا تُحل بتدوير القيادات، بل بالاعتراف بإرادة أصحابها. ومن أراد شراكةً حقيقية مع الجنوب، فليبدأ من احترام شعبه وقضيته، لا من اختيار من يتحدث باسمه نيابةً عنه.
زر الذهاب إلى الأعلى