مقالات وتحليلات

الجنوب أكبر من صواريخ إيران ومجالس المملكة وقبائل جنيف

الجنوب أكبر من صواريخ إيران ومجالس المملكة وقبائل جنيف

كتب :  د. يحيى شايف ناشر الجوبعي

أ-المقدمة

لا يمكن فهم الطبيعة الراهنة للصراع في الجغرافيا الجنوبية بمنأى عن القوانين الكلية للفلسف الجيوسياسية. 

  فالأرض الجنوبية لا تمثل مجرد بقعة جغرافية عابرة ، بل تشكل عقدة استراتيجية محورية تفصل بين بحار ومضائق العالم الحيوية. 

  وفي ظل التقاطع لخطوط التداخل الإقليمي والاستخباراتي سعت واهمة قوى متعددة ممثلة في الأجندات الإيرانية عبر أذرعها والتحركات السعودية عبر أدواتها السياسية إلى إعادة هندسة الوعي الجنوبي من خلال محاولة اختراق منظومته الوطنية عبر ثلاثية متكاملة سخرتها في وقت واحد ضد الحق السيادي للجنوب معتقدة بأنها تستطيع من خلال الصواريخ الباليستية والمجالس التمزيقية وقبائل جنيف المعلبة أن تشوش الوعي الجنوبي بهدف خلق واقعا سياسيا مازوما يخدم مصالحها الاستعمارية ، غير أن هذه المقاربات الثلاث اصطدمت بصخرة وعي صلبة تمثلت في الواقع الوجودي والصلابة الميدانية لحق الجنوب السيادي.

ب- تحليل النص

   تكشف هذه القراءة ما وراء النص من معاني ودلالات خفية من خلال تحليل النقاط المحورية للنص على النحو الآتي: 

أولا : سياسة الردع وصلابة الوعي الجنوبي.

  

   تتجسد معالم هذه النقطة المحورية من خلال الآتي : 

١- تهدف إيران وأذرعها الحوثية في توجيهها للصواريخ البالستية باتجاه الجنوب وعدن بالذات إلى تشكيل ضغط عصبي بدرجة رئيسية بهدف إحداث رجات في بنية الوعي الجنوبي الصلب غير أن القراءة الدقيقة تشير إلى أن هذه الهجمات لا تمثل قدرة حقيقية على إحداث تغيير ديموغرافي أو عسكري جذري على الأرض ، بل هي أداة استنزاف نفسي واقتصادي يائسة تهدف إلى تحسين شروط التفاوض الإقليمي.

٢-في المقابل أدركت القوات المسلحة الجنوبية بوعيها الصلب إلى أن حماية السيادة الوطنية لا تتحقق بالإملاءات عن بعد ، بل بالارتباط العضوي بالأرض والعقيدة القتالية الميدانية. 

  ولهذا فقد تحولت خطوط التماس إلى خط دفاع منيع مما يؤكد قاعدة أساسية في علوم الأمن القومي تتجسد في أن السيادة تصنع بالبندقية التي تحمي التراب لا بالترسانات الموجهة من غرف الأركان الإقليمية.

ثانيا :الهندسة السياسية ومناعة الوعي الجنوبي.

  تلحظ حقيقة هذا المحور من خلال الآتي :

١-تتجلى استراتيجيات المملكة في اتباعها لسياسة الاحتواء الناعم من خلال محاولات تفريخ المجالس التمزيقية المصطنعة بهدف إدخال عناصر تشتيت داخل الجسم السياسي الجنوبي لتعطيل جهاز المناعة المجتمعي عبر إغداقه بالوعود والمكاسب الوهمية. ٢-أظهرت التقاطعات المعلوماتية والواقائع السياسية بأن هذه الكيانات والتشكيلات ولدت متعثرة بنيويا؛ نتيجة التناقض الحاد بين أجندات رعاتها الإقليميين وصراع المصالح على النفوذ والمكتسبات. 

وعلاوة على ذلك أدى الاعتماد المفرط على التمويل السياسي إلى خلق نخبة طفيلية منفصلة عن الواقع لا تمتلك أي رصيد نضالي أو حاضنة شعبية حقيقية في الشارع الجنوبي المحرر.

٣-سقطت هذه المشاريع التمزيقية على صخرة الوعي الجمعي والتفويض الشعبي للرئيس القائد عيدروس الزبيدي رئيس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية ؛ إذ أدركت الجماهير الجنوبية بالفطرة السياسية أن التعدد المصطنع يهدف إلى شرعنة التبعية وأن الحفاظ على وحدة القرار الوطني الجنوبي هو الضمانة الأساسية لتحقيق الأهداف السياسية المنشودة.

ثالثا :سقوط الواجهات الافتراضية في فنادق جنيف

   تبرز ماهية هذا المحور من خلال الآتي: 

١-كشفت الطبيعة الافتراضية لمؤتمرات النخب بأن الفعاليات والمنصات التي تعقد خارج جغرافيا الأرض تحت عناوين قبلية أو سياسية عامة غالبا ما تتسم بالانفصال التام عن نبض الشارع الحي وواقع المعاناة اليومية لإنها تمثل في جوهرها واجهات تنظيمية تمول لغاية محددة تتمثل في إفراغ القضية الوطنية الجنوبية من محتواها التحرري وإعادتها إلى أطر النزاع المحلي الضيق.

٢-إن الأفراد المستدعين إلى تلك المنصات يفتقرون إلى الامتداد الحقيقي داخل النسيج الاجتماعي والقبلي الجنوبي الذي تجاوز أطر العصبية الضيقة نحو وعي الدولة الحديثة والمؤسسات. ومن ثم فإن أي مواثيق أو مخرجات تصدر بمعزل عن الأرض الجنوبية والتضحيات تبقى مجرد حبر على ورق تفتقر إلى الأثر القانوني والواقعي.

ج- الخلاصة

تأسيسا على ما سبق يمكن صياغة القاعدة الحاكمة للصراع في ضوء القانون الفلسفي للسيادة الذي يشير إلى أن ما بني على الوهم يمحوه الواقع على الأرض.

لقد فشل التكامل بين المسارات الثلاثة المجسدة في التصعيد العسكري الصلب والاختراق السياسي الناعم والواجهات الافتراضية الرخوة بالشتات) في تحقيق أهدافها ؛ لأن التجربة أثبتت بوضوح أن:

١-الجنوب أكبر من صواريخ إيران لأن الإرادة الميدانية قادرة على تحييد أثرها.

٢-الجنوب أكبر من مجالس المملكة ؛ لأن الوعي الوطني الجنوبي أصلب من أن تخترقه هندسة الأموال السياسية.

٣-الجنوب أكبر من مؤتمرات الشتات لقبائل الاحتلال اليمني لأن مستقبله يكتب بدماء الشهداء وتضحيات القوات المسلحة على الثغور لا بقرارات تملى من خلف البحار.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى