تقـــارير

الجنوب عصيّ على الكسر: شعبٌ يصوغ إرادته ويتجاوز المؤامرات

الجنوب عصيّ على الكسر: شعبٌ يصوغ إرادته ويتجاوز المؤامرات

صوت الضالع/ تقرير / رامي الردفاني

في مرحلةٍ تتكاثف فيها الضغوط، وتتشابك المصالح الإقليمية والدولية، ويُعاد فيها إنتاج الأزمات بأدواتٍ أكثر التواءً، يثبت الجنوب أنه ليس ساحةً رخوة ولا قضيةً قابلة للتدوير.

فالجنوب اليوم يقف بوصفه حقيقة سياسية وشعبية متجذّرة، تستمد قوتها من إرادة شعبٍ خبر الألم، وراكم الوعي، وقرّر أن يمضي بثبات نحو أهدافه مهما تعقّدت المسارات.

لم تكن التحديات التي واجهها الجنوب العربي يومًا عابرة أو طارئة، بل جاءت مركّبة وقاسية، امتدت من السياسة إلى الاقتصاد، ومن الإعلام إلى الأمن، في محاولةٍ ممنهجة لإرباك المشهد واستنزاف الإرادة. غير أن التجربة أثبتت أن الشعوب التي تتسلّح بعدالة قضيتها لا تُهزم، وأن الوعي الجمعي حين ينضج يتحول إلى درعٍ صلب يحبط المؤامرات قبل اكتمالها.

لقد خاض الجنوب العربي معركته بوعيٍ تاريخي لا ينفصل عن جذوره، وبقناعةٍ راسخة بأن الحقوق لا تُستجدى ولا تُمنح، بل تُنتزع بإرادةٍ صلبة ونَفَسٍ طويل. ومن هذا المنطلق، لم تكن مواقف الجنوبيين ردود فعل آنية، بل خيارات محسوبة، عبّرت عن إدراكٍ عميق لطبيعة الصراع وأبعاده، وعن رفضٍ قاطع لأي حلول منقوصة أو مشاريع تلتف على جوهر القضية.

وعلى مدار السنوات الماضية، حاولت أطراف عديدة حصر قضية الجنوب في مساراتٍ ضيقة، أو تحويلها إلى بندٍ ثانوي على طاولات تفاوض مغلقة، أو فرض وصايةٍ جديدة بأسماء وعناوين مختلفة.. إلا أن الشارع الجنوبي كان حاضرا في كل محطة، ليؤكد أن القرار جنوبي خالص، وأن الإرادة الشعبية لا تُدار من الخارج، ولا تقبل التفويض عنها، ولا تخضع لأي ابتزاز سياسي أو اقتصادي.

وما يميّز الجنوب العربي في هذه المرحلة ليس مجرد الصمود، بل قدرته اللافتة على تحويل التحديات إلى عناصر وعيٍ وقوة. فكل ضغطٍ مورس، وكل حملة استهداف، أسهمت في تعرية النوايا، ورفعت مستوى الإدراك بخطورة المرحلة وحساسية اللحظة.

هذا الوعي المتراكم تحوّل إلى سلاحٍ فعّال، عزّز التلاحم الداخلي، ورسّخ القناعة بأن وحدة الصف هي الضمانة الحقيقية لعبور المنعطفات.

زلقد تجاوز الجنوب مرحلة كونه ملفًا قابلًا للتأجيل أو قضيةً يمكن القفز عليها .. فهو اليوم واقعٌ سياسي وشعبي لا يمكن إنكاره، ورقمٌ صعب في أي معادلة تبحث عن الاستقرار الحقيقي أو الحلول المستدامة. ومن يراهن على تجاهل هذه الحقيقة، إنما يعيد إنتاج أوهامٍ أثبتت الوقائع فشلها، ويغامر بإطالة أمد الأزمات بدل حلّها.

ورغم محاولات إنهاك المواطن عبر الضغوط المعيشية والاقتصادية، ظل الجنوب متماسكًا، مدركًا أن هذه الأدوات ليست سوى وسائل لكسر الإرادة. لكن الإرادة التي صمدت في مراحل أشد قسوة، لن تنكسر اليوم، لأنها تستند إلى قناعةٍ راسخة بأن الصبر الواعي جزء من معركة الانتصار، وأن الثبات على المبدأ هو الطريق الأقصر نحو الهدف.

إن الجنوب، وهو يواجه كل هذه التحديات، لا يرفع شعاراتٍ عاطفية بقدر ما يرسّخ مسارًا واضحًا قوامه الوعي، والتنظيم، والتماسك الشعبي. مسارٌ يؤكد أن المستقبل يُبنى بإرادة الشعوب لا بإملاءات الخارج، وأن الكرامة الوطنية لا تُجزّأ ولا تُقايَض.

سيبقى الجنوب قويا، لا لأن الطريق خالٍ من العوائق، بل لأن شعبه حسم خياره وقطع مع أي عودةٍ إلى الوراء. سيبقى منتصرًا لأن قضيته عادلة، ولأن إرادة أبنائه أصلب من كل المؤامرات، ولأن التاريخ يعلّمنا أن الشعوب التي تعرف ماذا تريد، وتدفع ثمن خياراتها بوعي، تصل حتمًا مهما طال الزمن وتعقّد المشهد.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى