صوت الضالع / عين الجنوب:
بعد سنواتٍ من التدخل المكلف في الشمال، تبدو النتيجة واضحة: لا حسم، ولا شريك موثوق، ولا أفق سياسي قابل للحياة. تعقيدات المشهد، وتشابك الولاءات، وصعود قوى الأمر الواقع، كلها عوامل كشفت محدودية القدرة على إدارة هذا الملف أو فرض مخرجاته. ومع انسداد الأفق هناك، اتجهت الأنظار نحو الجنوب، لا بوصفه شريكًا مستقلاً، بل كساحة يُظن أنها أسهل للضغط وأقرب للضبط.
هذا التحول في السلوك لا يعكس قوة بقدر ما يكشف ارتباكًا. حين يفشل مشروع في بيئة معقدة، يلجأ صانع القرار إلى اختبار نفوذه في مساحة يعتقد أنها أقل كلفة وأكثر قابلية للتطويع. غير أن هذا التقدير يتجاهل حقيقة جوهرية: الجنوب اليوم ليس فراغًا سياسيًا، ولا مساحة بلا إرادة، بل قضية مكتملة الملامح، لها قيادة معروفة، وحاضنة شعبية واسعة، وتجربة طويلة مع الصراع والخذلان.
الاستقواء على الجنوب يأتي أيضًا من خوفٍ كامن من الاعتراف بحقائق جديدة. الاعتراف بإرادة الجنوب السياسية يعني انهيار منظومات قديمة بُنيت على الوصاية، ويعني فتح باب لإعادة رسم العلاقة على أساس الشراكة لا الإملاء. ولهذا تُستعاد مشاريع ثبت فشلها، وتُعاد صياغتها بأسماء مختلفة، في محاولة لإنعاش ما مات سياسيًا، فيما يبقى الجنوب هو العقبة الأساسية أمام هذا التدوير.
الأخطر في هذا المسار هو سوء قراءة الشارع الجنوبي. فالمراهنة على إنهاك الناس، أو تفكيك موقفهم، أو تجاوز قيادتهم، أثبتت فشلها مرارًا. كل محاولات الالتفاف لم تنتج إلا مزيدًا من التماسك الشعبي، ومزيدًا من القناعة بأن القرار الجنوبي لا يمكن أن يُصنع من خارج الأرض أو يُفرض من خلف الجدران.
في المحصلة، الضغط على الجنوب ليس حلًا لأزمة الشمال، ولا تعويضًا عن إخفاقاته. بل هو انتقال بالأزمة من ساحة إلى أخرى، مع فارق أن الجنوب أكثر وضوحًا في موقفه، وأكثر صلابة في إرادته. من يهرب من مواجهة الواقع في الشمال، لن يجد في الجنوب ساحة بديلة للنجاة، بل سيصطدم بحقيقة أن الشعوب التي دفعت أثمانًا باهظة لن تقبل العودة إلى مربع الوصاية.
الجنوب اليوم لا يبحث عن منّة، ولا يساوم على قضيته، ولا يقبل أن يكون ورقة في حسابات الآخرين. إنه يطالب بحقه المشروع، بإرادة شعبه، وبقرار يصنعه بنفسه. وأي سياسة تتجاهل هذه الحقيقة، لن تكون سوى إضافة جديدة إلى سجل الفشل، مهما تغيّرت الأدوات وتبدلت العناوين.
زر الذهاب إلى الأعلى