بقلم/ محمد القادري
الجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية أو ملف سياسي عابر، بل وطن له شعبه وهويته وقضيته وتاريخه السياسي. فقد كان دولة قائمة بذاتها، تمارس سيادتها على أرضها وشعبها وتحظى باعتراف دولي، ولم يكن جزءا من الجمهورية العربية اليمنية قبل إعلان الوحدة عام 1990م، التي تمت بين قيادات سياسية في الشمال والجنوب دون استفتاء شعبي يمنحها الشرعية الشعبية الكاملة.
غير أن تلك الوحدة انتهت عمليًا بحرب صيف 1994م، التي فرضت واقعا جديدا بالقوة العسكرية، وأدخلت الجنوب في مرحلة طويلة من الصراع والتوترات السياسية والاقتصادية والأمنية، الأمر الذي رسّخ لدى قطاعات واسعة من أبناء الجنوب قناعة بأن مشروع الوحدة قد أخفق في تحقيق الأهداف التي أُعلن عنها عند قيامه.
وعندما يُطرح الحديث عن القضية الجنوبية، فإنه لا يتعلق بمطالب عابرة أو خلافات سياسية مؤقتة، بل بقضية شعب يرى أن له حقا في تقرير مستقبله وفقا لإرادته الحرة. ولهذا يرفض كثير من الجنوبيين أي محاولات لفرض حلول أو خيارات لا تنطلق من إرادة أبناء الجنوب أنفسهم، باعتبار أن أصحاب القضية هم الأحق بتحديد مسارها ومستقبلها.
كما أن التحديات الإقليمية والدولية التي تحيط بالمنطقة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتعطيل تطلعات الجنوبيين أو تجميد مطالبهم السياسية. فالقضايا الوطنية الكبرى، من وجهة نظر أنصار القضية الجنوبية، تستمد مشروعيتها من إرادة الشعوب وتضحياتها، لا من التحولات المؤقتة في موازين القوى أو الحسابات الدولية المتغيرة.
ومن هذا المنطلق، يواصل أبناء الجنوب تمسكهم بمطالبهم السياسية التي يعتبرونها تعبيرا عن حق مشروع، مؤكدين أن مستقبل الجنوب يجب أن يُبنى على إرادة شعبه وخياراته الحرة، بعيدا عن أي وصاية أو إملاءات خارجية.
لقد قدم الجنوبيون تضحيات كبيرة خلال العقود الماضية دفاعًا عن قناعاتهم السياسية والوطنية، ولهذا فإنهم ينظرون إلى قضيتهم باعتبارها قضية مصير وهوية وحقوق، لا مجرد ملف يمكن إخضاعه للتجارب أو المساومات السياسية.
فالجنوب، بالنسبة لأبنائه، ليس تجربة قابلة للفشل أو النجاح وفق إرادة الآخرين، بل قضية شعب يسعى إلى تحقيق تطلعاته الوطنية ورسم مستقبله بنفسه، مستندا إلى إرادته الحرة وإيمانه بحقه في تقرير مصيره.
زر الذهاب إلى الأعلى