مقالات وتحليلات

عدن بين دمع الخدمات ودم القتل

عدن بين دمع الخدمات ودم القتل

كتب :  د. أمين العلياني

تنتصب عدن كعنقاء أنهكها الرماد، تلملم جراحها من تحت ركام الحرب والخذلان، تتوسد الأرصفة المتكسرة، وتلتحف سماءً أثقلتها غيوم الوعود المؤجلة. فعدن المدينة وبقية محافظات الجنوب التي خرجت من رحم المعاناة لتكتب فصلًا جديدًا من فصول الصمود، غير أن القدر كان يخبئ لهذه المحافظات وشعبها سيناريو أكثر قتامة، حيث الخدمات المغيبة رصاصة، والرواتب المنزوعة رصاصة، والحصار المسدل على أنفاس الناس رصاصة من نوع آخر، لا يسمع لها دوي، لكنها تصيب مقتلًا في جسد الحياة اليومية لملايين البشر.

ما الذنب الذي اقترفته عدن وأخواتها من مدن الجنوب العربي حتى تستحق هذا العقاب الجماعي المركب؟ ألأنها رفعت راية الرفض في وجه المشروع الإمامي الكهنوتي القادم من كهوف صعدة؟ أم لأنها آمنت بأن التحالف العربي الذي قاد عاصفة الحزم المزعومة بنصر المشروع العربي سيكون طوق نجاة لا حبل مشنقة؟ أم لأنها تجرأت على الحلم بدولة مدنية تنهض من تحت رماد الهزائم المتراكمة، وتستعيد لإنسانها كرامته المسلوبة منذ عقود؟

لقد خاضت عدن وأخواتها من محافظات الجنوب العربي معركة الوجود ضد مشروع الولي الفقيه، وقدمت من أبنائها قرابين على مذبح الحرية، واعتقدت – بسذاجة المظلوم الذي يبحث عن منقذ – أن التحالف العربي سيحفظ لهذا الشعب العربي تضحياته، ويصون له كرامته، ويمنحه الحق في مقومات الحياة الكريمة، ويلبي تطلعاته المشروعة في استعادة دولته الجنوبية العربية المستقلة. بيد أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن المرفأ العتيق، فإذا بالحليف يتحول إلى وصي، وإذا بالنصير يغدو سجانًا، وإذا بالشريك في الحرب ضد الإمامة يرتدي ثوب الإمامة ذاته، ممارسًا سياسة التجويع والإذلال والإفقار، وكأنه يريد أن يقول لشعب الجنوب العربي: موتوا بغيظكم، أو اركعوا على أعتابنا واقبلوا بوصايتنا عليكم وعلى ثرواتكم وأرضكم.

إن المشهد اليوم في عدن وسائر محافظات الجنوب لا يقل بشاعة عن مشهد الحرب الضروس التي دارت رحاها بالأمس القريب؛ فثمة حرب من نوع آخر تشن على هذا الشعب المنهك، حرب صامتة لا يسمع فيها أزيز الرصاص ولا دوي المدافع، لكنها تفتك بالناس فتكًا ذريعًا. فهي حرب تبدأ بتردي الخدمات المغيبة، والرواتب المنزوعة، والبنية التحتية المنهارة، والكهرباء الغائبة إلا من سواد الليل، والمياه التي أصبحت حلمًا بعيد المنال، والصحة التي تحولت إلى مقابر مفتوحة للمعدمين، والتعليم الذي صار رفاهية لا يطالها إلا أصحاب الجيوب المثقلة، وتنتهي بهذا الشعب إلى أن يستسلم عن خياراته في استعادة دولته المستقلة.

وفي خضم هذا الجحيم اليومي، يخرج الناس إلى الشوارع بحثًا عن أبسط مقومات الحياة، ويخرجون ليسألوا: أين الكهرباء؟ أين الماء؟ أين الراتب؟ أين الحياة التي وعدوا بها بعد أن دفعوا ثمنها دماء أبنائهم وبناتهم؟ غير أن الرد لا يأتي من صناع القرار إلا عبر فوهات البنادق، وبأصوات الرصاص الحي الذي يخترق الصدور العارية، وبأبواب السجون التي تفتح على مصاريعها لابتلاع كل من تجرأ على رفع صوته بالشكوى.

إنها المعادلة العبثية التي فرضت على هذا الشعب: إن سكت مات جوعًا ومرضًا وقهرًا، وإن تكلم مات قتلًا وسجنًا وتنكيلًا. وبين فكي هذه الكماشة القاتلة، يقف الإنسان الجنوبي حائرًا، لا يدري أيهما أهون: أهو موت الخدمات أم موت الرصاص؟ وأي الطريقين أقصر إلى القبر: درب الصمت المطبق، أم درب الصراخ المدوي؟

والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح الموجع على ضمير كل متابع للوضع في الجنوب العربي: ما الذي يمنع الرياض – وهي القادرة على انتشال هذا الشعب من وهدة البؤس – من الوفاء بالتزاماتها الإنسانية والأخلاقية تجاه شعب قدم التضحيات الجسام في مواجهة المشروع الإيراني؟ لماذا تصر على سياسة التجويع والإذلال، وتجعل من رواتب الموظفين المنقطعة ومن الخدمات المنهارة أدوات ضغط ومقايضة سياسية؟ ألهذا الحد بلغ الاستخفاف بدماء الناس وأعراضهم وأموالهم وأرواحهم؟

إن الشعب الذي قاوم الموت وهو يواجه مليشيات الحوثي، لا يمكن أن يقاد إلى الاستسلام عبر سياسة الإفقار والتجويع؛ فشعب الجنوب العربي خبر الموت في الخنادق، ولن ترهبه الموت البطيء خلف أبواب البيوت المغلقة. ولهذا فهم يعلمون جيدًا أن هذا الشعب قد أثبت عبر تاريخه الطويل أنه عصي على الكسر، متمرد على الإذلال، رافض للوصاية من أي جهة كانت، وأن محاولات تركيعه مصيرها الفشل الذريع مهما طال الزمن ومهما تعاقبت الفصول.

إن الرياض مدعوة اليوم، قبل فوات الأوان، إلى إعادة النظر في سياساتها تجاه الجنوب العربي، وأن تدرك أن الاستقرار لا يبنى على أكوام الجماجم، وأن الشرعية لا تفرض بسياسة الإفقار والتجويع، وأن الحلفاء الحقيقيين يحفظون لا يهانون، وتصان كرامتهم لا تداس.

ومن هنا يبقى الرجاء معقودًا على أن ينفض شعب الجنوب عن كواهلهم غبار الهزيمة النفسية، وأن يستلهموا من تاريخهم النضالي طاقة الصمود والمقاومة، فما بين دمع الخدمات ودم القتل، ثمة مساحة ضيقة للحياة، لكنها تتسع بقدر ما يمتلكه الناس من إرادة وعزيمة وإيمان بعدالة قضيتهم، تلك القضية التي لن تموت ما دام في عدن وكل محافظات الجنوب العربي قلب ينبض، وفي سواحلها موج يتكسر على صخور الصمت ليحيله ضجيجًا مدويًا في آذان المتآمرين.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى