كتب/ حافظ الشجيفي
حينما تتزاحم الغيوم المصطنعة في سماء المشهد السياسي الجنوبي وتتسابق عواصم القرار الاقليمي والدولي لاعادة ترتيب الاوراق وتوزيع الادوار وفقا لمصالحها الذاتية الضيقة يثبت الواقع التاريخي دوما ان ارادة الشعوب الحية تظل هي الصخرة الصماء التي تتحطم عليها كل الرهانات الخاسرة والمشاريع الهشة الفاقدة للشرعية الشعبية الحقيقية ومن هنا تحديدا نرقب بكل وعي وحذر ما يتردد هذه الايام في الاروقة السياسية والاعلامية عن تحركات حثيثة تقودها وتدعمها المملكة العربية السعودية لانشاء ما يسمى بمجالس التنسيق بين بعض المكونات والشخصيات في محافظات الجنوب العربي وضخ موازنات مالية ضخمة عبر محافظي هذه المحافظات المرتبطين بمنظومة ما يطلق عليها مجازا بحكومة الشرعية التي يراها الشارع الجنوبي امتدادا لنهج قديم يسعى لفرض واقع لا يلبي تطلعاته المشروعة حيث تهدف هذه التحركات المكشوفة الى محاولة سحب البساط من تحت اقدام المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يحمل تفويضا شعبيا عارما وينطلق من قاعدة جماهيرية صلبة تشكلت عبر مسيرة طويلة من التضحيات والنضال المستمر في الساحات والميادين ومواجهة شتى صنوف التهميش والاقصاء والعدوان والواقع المرير الذي تفرضه هذه المحاولات يتمثل في السعي اليائس لفصل المجلس الانتقالي عن عمقه الاستراتيجي وحاضنته الشعبية الوفية وهي محاولات محكوم عليها بالفشل الذريع سلفا نظرا لطبيعة التلاحم العضوي بين الشعب وقيادته ومجلسه المفوض الذي ولد من رحم المعاناة والارادة الحرة ولم يأت بقرار فوقي او تعيين خارجي تفرضه التوازنات الاقليمية الطارئة ومصالح الدول التي تحاول توجيه دفة الاحداث بما يخدم اجنداتها الخاصة دون مراعاة لحقائق الارض وجذور القضية العميقة التي لا يمكن تجاوزها بجرعة مالية او تشكيل كيانات كرتونية لا تمتلك اية جذور في وجدان الجماهير الصامدة والباحثة عن استعادة دولتها وحريتها وكرامتها ولهذا نجد انفسنا امام حقيقة سياسية دامغة تؤكد ان كل هذه الاموال والتحركات لن تزيد الشعب الجنوبي الا تمسكا واصطفافا خلف المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره الممثل الشرعي والحامل الامين والوحيد للقضية الجنوبية برمتها وهو الامر الذي تجلى بوضوح في افشال كل المؤامرات والمخططات السابقة التي حيكت منذ يناير الماضي برعاية وتمويل مباشرين من المملكة حيث ذهبت تلك المحاولات ادراج الرياح وبقيت الارض تتحدث بلغة اصحابها الحقيقيين والرهان الحقيقي هنا لا يتوقف عند حدود الوعي الجماهيري والسياسي المتنامي الذي وصل الى مستويات متقدمة من النضج والقدرة على فرز الغث من الثمين بل يستند بالدرجة الاولى الى الارادة الفولاذية الصلبة للشعب الجنوبي التي ارتبطت ارتباطا وثيقا ومصيريا بالمجلس الانتقالي وحده دون غيره من المكونات المصطنعة او المفرخة التي جرى انشاؤها في مطابخ السياسة الخارجية وتم دعمها باموال سخية لشق الصف وزعزعة الاستقرار الداخلي والواقع التاريخي يشهد ان كل المكونات السابقة التي انشقت عن المجلس الانتقالي او جرى تفريخها بدعم اقليمي مباشر قد انتهت الى زوال وفشلت في تحقيق اي حضور او قبول شعبي يذكر بل اصبحت محل ريبة وشكوك عميقة لدى المواطن الجنوبي الذي يرى فيها مجرد ادوات لتنفيذ مآرب خارجية تهدف الى اضعاف جبهته الداخلية وتقديمه كقربان لتسويات سياسية مجحفة لا تلبي طموحاته وتطلعاته المشروعة ولعل تشبيه هذه الكيانات والمجالس المفرخة بالاودية الجافة يضع الامور في نصابها الصحيح حيث ان تجمع الاودية الجدباء والتقاءها في نقطة واحدة لا يمكن ان يخلق سيلا جارفا او يحيي ارضا ميتة بل ان التقاء الجفاف بالجفاف لا ينتج الا مزيدا من القحط والجفاف والاراضي التي تشكو الجدب وتنتظر الغيث لا يمكن ان تستفيد من اودية تفتقر الى الينابيع والمياه الحقيقية المتدفقة وبالمقابل يظل المجلس الانتقالي الجنوبي هو الوادي الخصيب المليء بالمياه العذبة والغزيرة والصافية المتدفقة من شلالات التضحيات الجسيمة والدماء الزكية التي سكبها ابناء الجنوب في سبيل قضيتهم العادلة ولا يمكن لاية قوة على وجه الارض مهما امتلكت من مال ونفوذ واعلام ان تفصل هذا الوادي المتدفق عن ارضه وشعبه الوفي الذي يرى فيه شريان الحياة والامل الوحيد لتحقيق الخلاص والانعتاق من التبعية والاحتلال والسياسات التي تنتهجها المملكة العربية السعودية في هذا السياق تبدو واضحة للعيان بانها حرث في وديان غير ذات زرع ومحاولات لبناء قصور من رمال على شواطئ متلاطمة الامواج حيث ستذهب كل هذه الاموال والجهود هباء منثورا ودون طائل لان القبول الشعبي والشرعية الحقيقية لا تشترى بالمال السياسي ولا تصنعها الموازنات الضخمة بل تصنعها المواقف المبدئية والثبات على الحق وتلبية طموحات الجماهير التي قررت واعلنت بصوت هادر ان لا بديل عن المجلس الانتقالي الجنوبي في قيادة المرحلة والوصول بالقضية الى بر الامان والاستقلال التام وبناء الدولة الجنوبية الحديثة التي ينشدها الجميع ويقدمون من اجلها الغالي والنفيس في مسيرة نضالية مستمرة ومتصاعدة لن تتوقف امام هذه العراقيل المصطنعة والمجالس الهشة التي ولدت ميتة وستدفن في مقابر النسيان السياسي والتاريخي كما دفنت من قبلها الكثير من المشاريع والمؤامرات التي حاولت عبثا النيل من عزيمة هذا الشعب الجبار وارادته التي لا تقهر ولا تلين
زر الذهاب إلى الأعلى