صوت الضالع / بحث وإعداد: فؤاد قائد جُباري
يثار أحيانا جدل حول مشروعية استهداف مقاتلين مسلحين أثناء اشتباك مستمر، ولا سيما عندما تستخدم آلية عسكرية مدرعة لاقتحام موقعهم ثم دهس بعضهم وسط استمرار القتال أو الاشتباك المسلح. ولحسم هذا الجدل، لا بد من تحديد السؤال الأسبق: متى يبقى الشخص مقاتلا يجوز استهدافه، ومتى يتحول إلى أسير أو يصبح خارج القتال؟ فالعبرة في تحديد مشروعية الاستهداف لا بوسيلة القتل وحدها، وإنما بصفة الشخص وحالته لحظة استخدام القوة ضده.
من المنظور الإسلامي، يميز القرآن الكريم بين المقاتل أثناء الاشتباك والأسير بعد انتهاء قتاله؛ فالأصل أن يوجه القتال إلى من يباشره، مع النهي عن الاعتداء، لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 190]، ثم يميز بين مرحلة القتال ومرحلة الأسر بقوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبُ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4]. وبذلك، فإن المقاتل الذي يواصل حمل السلاح ومباشرة القتال لا يصبح أسيرا لمجرد الحصار أو رجحان الهزيمة، وإنما تتغير صفته عند الاستسلام أو العجز عن مواصلة القتال لجروح أو غيره؛ وحينها تنتقل المعاملة إلى أحكام الأسرى. (والله أعلم).
أما ما يتعلق بالقوانين الدولية والإنسانية وقوانين النزاعات المسلحة، يتم تصنيف (المقاتل النشط) الذي يواصل القتال ويطلق النار على أنه “هدف عسكري مشروع”، إذ تنص المادة 48 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 على مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وتوجيه العمليات العسكرية ضد الأهداف العسكرية، على أن “المقاتل الذي يواصل القتال ليس أسيرا”. أما المادة 41 فتقرر حماية الشخص الذي أصبح أسيرا أو ما يسمى (خارج القتال)، ومن أبرز حالاته من يعلن استسلامه بوضوح أو يصبح عاجزًا عن الدفاع عن نفسه بسبب الجروح أو فقدان الوعي، بشرط ألا يستأنف عملا عدائيا وألا يحاول حتى الفرار. وتؤكد القاعدة 47 من القانون الدولي الإنساني العرفي حظر مهاجمة الأشخاص الذين أصبحوا “خارج القتال”. وبالتالي، فإن المقاتل المحاصر لا يصبح أسير حرب لمجرد أن هزيمته أصبحت محتومة. فإذا ظل مسلحا، يطلق النار، ويرفض الاستسلام، وقادرا على مواصلة القتال، فإنه لا يتمتع بالحماية الخاصة التي يتمتع بها المستسلم أو العاجز عن القتال.
أما الدهس نفسه، فلا يوجد في اتفاقيات جنيف أو البروتوكول الإضافي الأول نص يجعل استخدام آلية عسكرية لدهس مقاتل مشارك في القتال جريمة حرب بحد ذاتها. وتنص المادة 35 على قيود وسائل وأساليب الحرب، وتحظر الوسائل التي تسبب إصابات مفرطة أو معاناة لا ضرورة لها، كما تحظر المادة 40 إصدار أمر أو تهديد بعدم إبقاء أحد على قيد الحياة. لذلك، إذا كانت الواقعة تشمل مقاتلين مسلحين، واشتباك قائم، وإطلاق نار مستمر، ورفض للاستسلام، وعدم وجود مدنيين أو جرحى أو عاجزين عن القتال، وعدم وجود أمر بقتل من يستسلم، فإن استخدام المدرعة للقضاء على مقاتلين ما زالوا يقاتلون لا يصبح جريمة حرب لمجرد أن وسيلة القتل كانت الدهس.
والتوصيف الأدق أن القانون الدولي الإنساني لا يحظر الدهس كوسيلة بحد ذاتها، وإنما يخضع استخدام المدرعة للقواعد العامة التي تحكم وسائل وأساليب القتال.
لكن الحكم يتغير جذريًا إذا ألقى الشخص سلاحه وأعلن استسلامه بوضوح، أو أصبح جريحا أو عاجز ا عن الدفاع عن نفسه، أو خرج من القتال لأي سبب آخر. هنا تحميه المادة 41 من البروتوكول الإضافي الأول والقاعدة العرفية 47، ويصبح استهدافه محظورا. كما أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، في المادة 8، يجرم في النزاع المسلح الدولي قتل أو جرح مقاتل (استسلم) أو أصبح بلا وسيلة للدفاع (بعد إلقاء سلاحه) .
وفي ما يتعلق بحادثة باب المندب، فإن للمعركة قواعدها وللمقاتل في الميدان ظروفه الخاصة. ولنفترض أن عدد العدو كان أضعاف عدد من كان في المدرعة بعشرات المرات، أو أن من في المدرعة لا يملكون الأسلحة المناسبة أو الذخيرة الكافية لمواجهة كل هذا الجمع، وغيرها من الأسباب التي تفرضها ظروف المقاتل في لحظة الاشتباك ، لأن أي تصرف غير مدروس في واقع كهذا يمنح الطرف الآخر فرصة الإنقضاض عليك والفتك بك. هذه الظروف لا تغير القاعدة القانونية في جوهرها، لكنها تؤثر في تقييم معيار الضرورة العسكرية والتناسب في استخدام القوة.
وقد شهد التاريخ وقائع مشابهة. فخلال حرب الخليج الثانية عام 1991، حينما استخدمت قوات الفرقة الأولى للمشاة الأمريكية جرافات مدرعة وكاشفات ألغام مثبتة على دبابات “إم 1 أبرامز” لاختراق خطوط الدفاع العراقية المعروفة باسم “خط صدام”، مما أدى إلى ردم الخنادق ودهس ودفن المئات، وربما آلاف، من الجنود العراقيين داخلها . وقد أكدت مصادر عسكرية أمريكية أن هؤلاء الجنود كانوا ما زالوا يطلقون النار ويختارون القتال بدلا من الاستسلام.
وقبل هذه الحادثة في حرب الخليج، سبق وأن نوقش هذا الموضوع في مؤتمر الأمم المتحدة بشأن بعض الأسلحة التقليدية 1978–1980، ولم يحظر، إذ اعتبر من التكتيكات العسكرية المتوافقة مع قانون الحرب. كما ذكرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن استخدام الآليات المدرعة لسحق أو دفن قوات العدو كان تكتيكا معروف ولم يكن محظورا بحد ذاته.
زر الذهاب إلى الأعلى