لم تعد المخاوف التي تحيط بمدينة عدن ومحافظات الجنوب مرتبطة بالتهديدات العسكرية القادمة من الخارج وحدها، بل باتت تمتد، وفق اتهامات سياسية وإعلامية متداولة، إلى مخاطر الاختراقات الأمنية الداخلية، وتضارب المصالح بين القوى السياسية والعسكرية، وما يرافق ذلك من تساؤلات متزايدة بشأن قدرة المؤسسات المعنية على حماية المواطنين وصون استقرار المدينة.
وفي ظل الأوضاع المضطربة التي تعيشها البلاد، تتصاعد الأصوات الجنوبية المنتقدة لأداء الشرعية، محمّلةً إياها جانباً من المسؤولية السياسية عن تدهور الأوضاع، ومعتبرةً أن الإخفاق في القرار العسكري، وضروره معالجة الاختلالات المؤسسية، يترك عدن والجنوب أمام تحديات متشابكة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.
وتحت عنوان «عدن لا تُقصف من الخارج فقط.. بل تُطعن من الداخل»، تتجدد المخاوف من أن تكون المدينة محاصرة بأكثر من مسار للأزمة؛ مسار عسكري يرتبط بالتهديدات الحوثية، ومسار أمني يتعلق بمخاطر الاختراقات والشائعات، ومسار سياسي تحكمه الخلافات والصراعات على النفوذ والقرار.
ثلاث جبهات للأزمة.. وعدن في قلب المواجهة
تتمثل الجبهة الأولى في التهديدات الأمنية التي تثير مخاوف السكان، وسط اتهامات بوجود خلايا نائمة وشبكات تسعى إلى زعزعة الاستقرار، من خلال نشر الشائعات وإثارة البلبلة واستغلال الثغرات الأمنية. وتذهب بعض الخطابات السياسية الجنوبية إلى أبعد من ذلك، متحدثةً عن احتمال وجود تنسيق بين أطراف معادية للجنوب، في إطار ما تصفه بالتخادم بين جماعة الحوثي وقوى محسوبة على تيار الإخوان المسلمين.
وتكمن خطورة هذا المسار في أن الشائعات والمعلومات المضللة، عندما تتزامن مع التوترات العسكرية، قد تتحول إلى عامل إضافي لإرباك المجتمع وإضعاف الثقة بالمؤسسات الأمنية، وهو ما يجعل تعزيز اليقظة المجتمعية والتحقق من المعلومات ضرورة لحماية السكان ومنع استغلال مخاوفهم.
أما الجبهة الثانية، فتتعلق بالمواجهة العسكرية مع الحوثيين، وما تثيره التهديدات بالصواريخ والطائرات المسيّرة من مخاوف على أمن المدن والمنشآت الحيوية وسلامة المدنيين. وفي هذا السياق، تجد عدن نفسها أمام تحديات أمنية متزايدة، تجعل حماية الأحياء السكنية وتأمين المرافق العامة ورفع مستوى الاستعداد المؤسسي من الأولويات التي لا تحتمل التأجيل.
وتبرز هنا أهمية التنسيق بين الجهات المعنية، وتبادل المعلومات الموثوقة، وتطوير إجراءات حماية المدنيين، بعيداً عن الحسابات الحزبية والصراعات التي قد تنعكس سلباً على كفاءة الاستجابة للتهديدات.
أما الجبهة الثالثة، والأكثر إثارة للجدل في الخطاب السياسي الجنوبي، فتتمثل في الأزمة المرتبطة بأداء الشرعية ومؤسساتها، حيث تتهمها أصوات جنوبية بالتقصير في حماية عدن، وبالعجز عن تقديم موقف سياسي وعسكري موحد يضع مصالح المواطنين في مقدمة الأولويات.
وتذهب هذه الانتقادات إلى أن الخلافات داخل مراكز القرار، وتضارب الولاءات، واستمرار التجاذبات السياسية، أسهمت في إضعاف الثقة الشعبية بالمؤسسات الرسمية، وخلقت بيئة مواتية لتفاقم الأزمات الأمنية والخدمية.
الشرعية تحت المجهر.. من يحمي عدن؟
لم يعد السؤال المطروح في الأوساط الجنوبية مقتصراً على طبيعة التهديدات التي تواجه المدينة، بل امتد إلى مساءلة الجهات التي يفترض أن تتحمل مسؤولية الحماية وإدارة المؤسسات وتوحيد القرار.
فإذا كانت الشرعية تقدم نفسها باعتبارها مظلة سياسية وعسكرية لمواجهة الحوثيين، فإن ذلك يضعها أمام مسؤولية مباشرة في توضيح سياساتها، وكشف ما تتخذه من إجراءات لحماية المدن، ومعالجة الاختلالات الأمنية، وضمان عدم استخدام مؤسسات الدولة لخدمة أجندات حزبية أو مصالح ضيقة.
وتتزايد حدة الانتقادات حين يشعر المواطن بأن الخطاب السياسي الرسمي لا ينعكس بصورة ملموسة على حياته اليومية، وأن الأزمات الأمنية والاقتصادية والخدمية تتراكم من دون حلول مستدامة. ففي مثل هذه الظروف، لا تكفي البيانات والتصريحات لاحتواء الغضب الشعبي، بل يصبح المطلوب إجراءات واضحة، ومحاسبة للمقصرين، وشفافية في إدارة الملفات العامة.
وفي المقابل
فان حماية عدن لا تتحقق بتبادل الاتهامات فحسب، وإنما ببناء منظومة أمنية فعالة، وتعزيز استقلال المؤسسات عن التجاذبات الحزبية، وإخضاع كل من يثبت تورطه في الاعتداء على المواطنين أو تسهيل استهدافهم للمساءلة القانونية.
الجنوب ومخاوف إجهاض المشروع السياسي
وفي قلب هذه الأزمة، تتجدد المخاوف الجنوبية من أن تتحول الصراعات السياسية والعسكرية إلى وسيلة لإضعاف تطلعات الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي، خصوصاً في ظل استمرار الخلافات بشأن شكل الدولة ومستقبل التسوية السياسية في البلاد.
ويرى منتقدون لأداء الشرعية أن التعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها ملفاً ثانوياً، أو محاولة تجاوز مطالب الجنوبيين من دون معالجة سياسية عادلة، من شأنه أن يعمّق فجوة الثقة ويزيد من حدة الاحتقان.
ويؤكد هذا الاتجاه أن الاستقرار لا يمكن أن يُبنى على تجاهل المطالب السياسية أو التقليل من حجم التضحيات التي قدمها أبناء الجنوب، بل يتطلب حواراً جدياً يضع القضايا الجوهرية على الطاولة، ويضمن مشاركة الأطراف المعنية في صياغة أي تسوية مستقبلية.
لكن الحفاظ على المشروع السياسي الجنوبي، أياً كان الموقف منه، يظل مرتبطاً أيضاً بقدرة القوى السياسية على حماية المجتمع من الانقسام، وتجنب التحريض غير المدعوم بالأدلة، والتمسك بمبدأ المساءلة القانونية، بما يضمن أن تكون حماية المدنيين واستقرار المدن أولوية مشتركة.
المواطن يدفع الثمن.. والخدمات لا تنتظر الصراعات
بعيداً عن التجاذبات السياسية، يبقى المواطن العدني هو الطرف الأكثر تعرضاً لتبعات الأزمات المتلاحقة. فكل تصعيد أمني ينعكس على شعوره بالأمان، وكل اضطراب سياسي يضيف أعباء جديدة إلى حياة أثقلتها الأوضاع الاقتصادية وتراجع الخدمات الأساسية.
ولا يحتاج المواطن إلى مزيد من الخطابات المتبادلة بقدر حاجته إلى إجراءات ملموسة تحمي حياته وممتلكاته، وتحسن الخدمات، وتضمن انتظام المؤسسات، وتمنع تحويل الأحياء السكنية إلى ساحات للخوف والاضطراب.
ومن هنا، فإن مسؤولية الجهات المعنية لا تقف عند حدود مواجهة التهديدات العسكرية، بل تشمل أيضاً تعزيز من الثقة بين المجتمع والمؤسسات، وتوفير المعلومات الدقيقة عند وقوع الأحداث، وملاحقة مرتكبي الجرائم وفق القانون، ومحاسبة كل مسؤول يثبت تقصيره أو تورطه، أياً كان موقعه أو انتماؤه.
كما أن وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية مهنية في نقل الوقائع والتحقق من المعلومات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باتهامات خطيرة قد تؤثر في السلم الأهلي أو تعرض أشخاصاً للخطر. فالمعركة ضد التضليل لا تقل أهمية عن المعركة من أجل استعادة الاستقرار، ولا يمكن مواجهة الشائعات بشائعات مضادة.
المحاسبة أولاً.. لا حصانة لمن يثبت تورطه
إن المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن أي اعتداءات أو اختلالات أمنية ليست موقفاً سياسياً عابراً، بل حق للمواطنين وواجب على المؤسسات المختصة. فلا ينبغي أن يكون المنصب الرسمي أو النفوذ السياسي أو الانتماء الحزبي سبباً للإفلات من المساءلة، كما لا يجوز أن تتحول الاتهامات إلى أحكام مسبقة قبل استكمال التحقيقات.
وتحتاج عدن، في هذه المرحلة، إلى ذلك موقف مؤسسي واضح يقوم على كشف الحقائق، وتحديد المسؤوليات، وملاحقة المتورطين وفق القانون، وإعلان نتائج التحقيقات للرأي العام بالقدر الذي لا يضر بسلامة الإجراءات الأمنية أو حقوق الأفراد.
كذلك تحتاج المدينة إلى تنسيق فعلي بين المؤسسات المعنية، وإلى سياسة أمنية لا تخضع للمساومات، وإلى خطاب سياسي يضع سلامة السكان فوق الحسابات الضيقة، ويمنع استغلال معاناة المواطنين لتحقيق مكاسب حزبية أو فرض وقائع جديدة على الأرض.
فالدولة التي لا تحمي مواطنيها تفقد جانباً مهماً من ثقتهم، والمؤسسات التي لا تخضع للمحاسبة تفتح الباب أمام استمرار الأخطاء وتكرارها. أما استعادة الثقة، فتبدأ بالشفافية والعدالة، وتترسخ حين يرى المواطن أن القانون يسري على الجميع بلا استثناء.
عدن ليست ساحة مفتوحة للصراعات
في المحصلة، تقف عدن أمام اختبار صعب تتداخل فيه التهديدات الأمنية والعسكرية مع الخلافات السياسية والضغوط الاقتصادية. وبينما تتصاعد الاتهامات بشأن الاختراقات والتخادم بين بعض القوى، تبقى الحاجة ملحة إلى أدلة واضحة وتحقيقات مستقلة تميز بين الوقائع المثبتة والمواقف السياسية.
إن أمن عدن مسؤولية لا يجوز اختزالها في طرف واحد أو توظيفها في معارك إعلامية، كما أن القضية الجنوبية لا يمكن أن تُعالج بتجاهل تطلعات أصحابها أو بإدامة الأزمات التي تثقل كاهلهم.
والرسالة الأهم أن حماية الجنوب تبدأ بحماية الإنسان، وصون المدن، وتحصين في المؤسسات من الفساد والتجاذبات، وضمان محاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الاعتداءات أو التقصير.
عدن لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى الحقيقة والعدالة والأمن. والجنوب لا يحتاج إلى توسيع دائرة الاتهامات، بل إلى مؤسسات قوية تكشف الوقائع، وتحاسب المتورطين، وتحمي المواطنين، وتحترم إرادتهم السياسية.
فلا صواريخ الخارج وحدها تفسر أزمات الداخل، ولا الاتهامات وحدها تكشف الحقيقة؛ وإنما التحقيق الجاد، والمساءلة العادلة، والإرادة السياسية الصادقة هي الطريق إلى استعادة الثقة وحماية عدن من أن تبقى رهينة صراعات لا يدفع ثمنها إلا المواطن.
زر الذهاب إلى الأعلى