Mass Image Compressor Compressed this image. https://sourceforge.net/projects/icompress/ with Quality:40
صوت الضالع/تقرير/فاطمة اليزيدي
تحريض من على المنبر: إنكار القضية الجنوبية يفتح أبواب الغضب والاستنكار في الشارع الجنوبي.
*شهيد رحل مثقلًا بالديون: أحد أبطال الجنوب استشهد وعليه ديون تفوق قيمة راتبه.. فأين الوفاء لتضحياته؟!
*دماء لا تُمحى بالخطب: شهداء الجنوب الذين ارتقوا في مواجهة الحوثيين ليسوا أرقاما في ذاكرة النسيان.
*استنكار سياسي وشعبي: ناشطون وسياسيون جنوبيون يرفضون المساس بقضية شعب وتاريخه النضالي.
*إدانة رسمية: هيئة الفكر والإرشاد الديني في الأمانة العامة للمجلس الانتقالي الجنوبي تدين الواقعة وتضع مسؤولية المنابر الدينية أمام التساؤلات.
هل تحولت بعض المنابر الدينية إلى منصات لتمرير الخطابات السياسية المعادية للقضية الجنوبية؟ ومن أعطى أي خطيب الحق في إنكار قضية شعب قدم آلاف الشهداء والجرحى في سبيل حريته وكرامته؟ وهل أصبحت تضحيات الجنوبيين مادة قابلة للتجاهل والتشكيك فوق منابر يفترض أن تكون عنوانا للوعي والوحدة المجتمعية؟ وأين تقف الجهات المعنية أمام خطاب يمس مشاعر أسر الشهداء وعموم أبناء الجنوب؟
في واقعة أثارت موجة واسعة من الاستياء والغضب في أوساط الشارع الجنوبي، برزت تساؤلات خطيرة عقب ما صدر عن خطيب أحد المساجد في مدينة الشعب بالعاصمة عدن، حين تحدث خلال خطبته عن أن اليمن واحد، نافيا وجود ما يُعرف بالجنوب أو القضية الجنوبية، في خطاب اعتبره ناشطون ومتابعون تطاولا على قضية سياسية ووطنية متجذرة في وجدان شعب الجنوب، واستخفافا بتاريخ طويل من النضال والتضحيات التي قدمها أبناؤه دفاعا عن أرضهم وحقوقهم وتطلعاتهم.
ولم تكن الكلمات التي أُثير حولها الجدل مجرد عبارات عابرة في نظر الشارع الجنوبي، بل فتحت بابا واسعا من التساؤلات حول حدود المسؤولية الملقاة على عاتق الخطباء، ومدى خطورة توظيف المنابر الدينية في تناول القضايا السياسية بأسلوب ينكر واقع شعب وتاريخه وتضحياته، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقضية دفع أبناء الجنوب أثمانا باهظة من أرواحهم ومستقبلهم في سبيلها.
القضية الجنوبية ليست شعارا عابرا.. إنها حكاية شعب كتبتها دماء الشهداء:
إن القضية الجنوبية ليست وليدة خطبة أو موقف سياسي، وليست شعارا يمكن محوه بكلمات عابرة أو إنكاره من فوق أي منبر؛ إنها قضية شعب تشكلت عبر سنوات طويلة من النضال والتضحيات، واستقرت في وجدان أجيال متعاقبة، وارتبطت بدماء الشهداء وآلام الجرحى ومعاناة أسر فقدت أبناءها في ميادين المواجهة.
فقد قدم الجنوب خيرة شبابه في معارك الدفاع عن أرضه ومواجهة مليشيات الحوثي، وسقط رجال كانوا يحملون أحلامهم وآمال أسرهم، لكنهم اختاروا الوقوف في ميادين المواجهة دفاعا عن الأرض والكرامة. ولم تكن تضحياتهم مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل حكايات إنسانية موجعة لأمهات ينتظرن أبناء لن يعودوا، وآباء فقدوا سندهم، وأطفال حُرموا من آبائهم، وأسر وجدت نفسها أمام واقع قاس بعد رحيل من كانوا يعيلونها.
ومن بين تلك الحكايات المؤلمة، قصة أحد أبناء الجنوب الذي استشهد في المواجهات، بينما كانت عليه ديون تفوق قيمة راتبه، في صورة تختصر حجم التضحية التي قدمها أبناء الجنوب، وتكشف أن كثيرا من الشهداء رحلوا وهم يحملون هموم أسرهم والتزاماتهم المعيشية، لكنهم لم يتخلوا عن واجبهم تجاه أرضهم وقضيتهم.
فبأي منطق يمكن اختزال كل هذه التضحيات في عبارة تنكر وجود القضية الجنوبية؟ وكيف يمكن تجاهل دماء رجال قدموا حياتهم في سبيل ما آمنوا به، وكأن سنوات النضال والمواجهات والشهداء والجرحى لم تكن سوى تفاصيل يمكن تجاوزها بكلمات من على المنابر؟
استياء جنوبي واسع.. المنابر للوعي لا لاستفزاز مشاعر شعب قدم التضحيات:
وأثارت الواقعة استياء واسعا في أوساط الشارع الجنوبي، وسط استنكار ناشطين وسياسيين جنوبيين لما اعتبروه خطابا مستفزا لمشاعر شعب لا تزال جراحه مفتوحة بفعل سنوات الحرب والتضحيات.
وأشار ناشطون إلى أن حرية التعبير لا تعني إنكار قضايا الشعوب أو الانتقاص من تضحياتها، وأن الاختلاف في المواقف السياسية لا يمنح أحدا الحق في التعامل مع قضية الجنوب باعتبارها أمرا غير موجود، أو تصوير تطلعات شعب بأكمله وكأنها مجرد ادعاءات لا أساس لها.
واستنكر سياسيون جنوبيون استخدام المنابر الدينية في طرح خطابات سياسية من شأنها تعميق الانقسام وإثارة الاحتقان، مؤكدين أن المساجد ينبغي أن تظل منابر للهداية والتوعية وتعزيز الأخلاق والتراحم، لا ساحات لاستفزاز المواطنين أو التقليل من تضحياتهم.
ولفت ناشطون إلى أن احترام القضية الجنوبية لا يعني مصادرة حق الآخرين في الاختلاف، لكنه يعني احترام إرادة الناس وتاريخهم وحقهم في التعبير عن تطلعاتهم السياسية دون إساءة أو إنكار أو تحريض.
إدانة هيئة الفكر والإرشاد الديني.. رسالة واضحة برفض توظيف المنابر للإساءة للقضية الجنوبية:
وفي سياق ردود الفعل، أدانت هيئة الفكر والإرشاد الديني في الأمانة العامة للمجلس الانتقالي الجنوبي ما أُثير بشأن الخطاب الصادر عن خطيب المسجد في مدينة الشعب، في موقف يعكس رفض توظيف المنابر الدينية للإساءة إلى القضية الجنوبية أو استهداف مشاعر أبنائها.
وتعيد هذه الواقعة التأكيد على أهمية اضطلاع الجهات المعنية بمسؤولياتها في متابعة الخطاب الديني، والتعامل بمسؤولية مع أي تجاوزات من شأنها إثارة الاحتقان المجتمعي أو تحويل المساجد إلى ساحات للصراعات السياسية.
فليس من المقبول أن يتحول المنبر إلى مساحة لإنكار تضحيات شعب أو التشكيك في قضيته، كما أن مسؤولية الخطيب لا تتوقف عند إلقاء الكلمات، بل تمتد إلى إدراك أثرها في المجتمع، واحترام التنوع والاختلاف، والابتعاد عن كل خطاب يمس كرامة الناس أو يثير العداوة بينهم.
الجنوب لا ينسى شهداءه.. ولا يقبل إنكار قضيته:
إن أخطر ما في هذه الواقعة ليس مجرد الاختلاف حول توصيف سياسي، وإنما ما تطرحه من إشكالية تتعلق بمسؤولية الخطاب الديني وحدود استخدام المنابر في القضايا العامة. فالشهداء الذين ارتقوا في ميادين المواجهة لم يكونوا أرقاما عابرة، بل كانوا أبناء وأشقاء وآباء وأحلاما رحلت، وتركت خلفها أسرا وذكريات وحقوقا لا يجوز الاستهانة بها.
والجنوب الذي قدم أبناءه في ميادين المواجهة، وشيع شهداءه واحتضن جرحاه، لا يمكن مطالبة أبنائه بالصمت عندما يشعرون بأن تضحياتهم يجري تجاهلها أو التقليل منها. فاحترام الشهداء يبدأ باحترام القضية التي ضحوا من أجلها، واحترام مشاعر أسرهم، وعدم التعامل مع دمائهم باعتبارها تفصيلا يمكن تجاوزه في أي خطاب سياسي.
كما أن معالجة مثل هذه الوقائع لا تكون بتبادل الإساءات أو تصعيد الكراهية، وإنما بمواقف مسؤولة تضع حدا لأي تجاوز، وتحافظ على حرمة المساجد ومكانتها، وتصون حق أبناء الجنوب في التعبير عن قضيتهم وتطلعاتهم.
كلمة أخيرة.. دماء الشهداء ليست مادة للنفي والإنكار:
تبقى الرسالة الأهم أن القضايا الوطنية لا تُمحى بالخطب، ولا تُلغى بعبارات الإنكار، ولا يمكن تجاوز تاريخ شعب بمجرد الاختلاف مع تطلعاته. فالشهداء الذين ارتقوا في ميادين المواجهة لم يكونوا أرقاما عابرة، بل كانوا أبناء وأشقاء وآباء وأحلاما رحلت، وتركت خلفها أسرا وذكريات وحقوقا لا يجوز الاستهانة بها.
ومن هنا، فإن احترام القضية الجنوبية وتضحيات أبنائها مسؤولية أخلاقية ووطنية، كما أن احترام المنابر الدينية وصون رسالتها مسؤولية لا تقبل التهاون.
فالجنوب ليس اسما يُمحى بخطبة، وقضيته ليست حكاية تُنكر بكلمات، ودماء شهدائه ليست تفصيلا قابلا للنسيان.. ومن يختلف سياسيا مع قضية شعب، عليه أن يحترم حقه في التعبير عنها، فالتاريخ لا تمحوه الخطب، وتضحيات الشهداء لا تسقط بالتجاهل.