كتب / ذياب الحسيني
في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، تتجلى قضية الجنوب العربي كواحدة من أكثر الملفات حساسية وعمقًا، ليس بوصفها مطلبًا سياسيًا فحسب، بل كضرورة استراتيجية تمليها اعتبارات الأمن القومي الخليجي، وتفرضها تحديات الاستقرار الجيوسياسي في منطقة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية. فاستعادة الدولة الجنوبية على حدودها السابقة المتعارف عليها ما قبل 22 مايو 1990م لم تعد خيارًا قابلًا للتفاوض، بل تحولت إلى استحقاق سيادي لا يقبل التأجيل.
الجنوب العربي، بموقعه الجغرافي الفريد المطل على مضيق باب المندب وخليج عدن وبحر العرب، يشكل نقطة ارتكاز محورية في منظومة الأمن البحري العالمي. هذا الموقع الاستراتيجي لا يحتمل الفوضى أو التبعية، بل يستدعي كيانًا سياسيًا مستقلًا، قادرًا على إدارة شؤونه بكفاءة ومسؤولية، بعيدًا عن منطق الهيمنة والتضليل الإعلامي الذي تمارسه الماكينة الإعلامية الاخونية المعادية عبر بعض الأطراف المتنفذة. فكل محاولة لتشويه الواقع الجنوبي، أو لتصنيف قواته الحكومية الجنوبية بأنها خارجة عن القانون، ليست سوى امتداد لحملات التزييف التي تهدف إلى تقويض مشروع الدولة، وإعادة إنتاج التبعية.
التطورات الأخيرة في محافظتي حضرموت والمهرة، وما رافقها من ادعاءات إعلامية مغرضة، تكشف حجم التحدي الذي تواجهه القوات المسلحة الحكومية الجنوبية في سعيها لاستعادة الأرض وتثبيت السيادة. فاتهام هذه القوات باقتحام المحافظات وترويع المدنيين، يتناقض تمامًا مع الواقع الميداني الذي يشهد بتحرير المنطقة العسكرية الأولى من عناصر إرهابية شمالية مرتبطة بداعش والحوثيين، وبسط السيطرة الكاملة على المهرة. واستعادة كامل الأرض الجنوبية من قبضة القوى المتحكمة بثروات النفط والطاقة والمعادن.
إن الجنوب العربي اليوم يقف على أعتاب إعلان الدولة، دولة تمتلك كل مقومات السيادة من مؤسسات وأمن وجيش وهوية وطنية جامعة. دولة خالية من التعدد المذهبي، سنية خالصة للعرب، لا تعرف التشيع ولا الانقسامات الطائفية، وتشكل حالة فريدة في شبه الجزيرة العربية، تستحق أن يُعاد لها الاعتبار كدولة مستقلة ذات سيادة، لا كملحق جغرافي أو ورقة تفاوضية.
استعادة الدولة الجنوبية ليست تفكيكًا لوحدة وهمية، بل تصحيح لمسار تاريخي مشوه، وإعادة هندسة للعلاقة بين مكونات اليمن على أسس العدالة والندية والاحترام المتبادل. إنها خطوة نحو بناء منظومة إقليمية أكثر توازنًا، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي تعصف بالمنطقة. فالجنوب العربي المستقر، الآمن، صاحب القرار والسيادة، هو الضامن الحقيقي لأمن الخليج، وهو الحصن المنيع في وجه الأطماع الخارجية، وهو الشريك الطبيعي في صناعة مستقبل عربي أكثر استقرارًا وازدهارًا.
وكل تأخير في الاعتراف بهذا الحق، هو تفريط في الأمن، وتغذية للفوضى، وإطالة لأمد الصراع. الجنوب العربي لا يطلب أكثر من حقه، ولا يسعى إلا إلى استعادة دولته، كاملة الأركان، واضحة الحدود، راسخة السيادة، في زمن لم يعد فيه التزييف الإعلامي المعادي قادرًا على حجب الحقيقة أو كبح الإرادة.
زر الذهاب إلى الأعلى