كتب / رائد علي شائف:
في السياسة، لا تقاس قوة الدول بقدرتها على ممارسة الضغط فقط، بل بمدى فهمها لتعقيدات المجتمعات واحترامها لإرادة الشعوب.. ومن هذا المنطلق، يبرز “الجنوب” اليوم كقضية سياسية لا يمكن التعامل معها بعقلية الفرض أو إدارة النفوذ، دون إدراك عميق لتاريخها وتضحياتها وسياقها الاجتماعي والسياسي.
وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، خاض شعب الجنوب مساراً طويلاً وشاقاً من النضال، دفع خلاله أثماناً إنسانية باهظة دفاعاً عن هويته السياسية وحقه في تقرير مستقبله، حيث قدم عشرات الآلاف من الضحايا، ومئات الآلاف من الجرحى والمعتقلين والمشردين، وكل ذلك لم يكن نتاج أزمة مؤقتة، بل نتيجة محاولات متكررة لإخضاع شعب راسخ الإرادة، عصياً على التطويع.
ورغم تبدل الأنظمة القمعية خلال اكثر من ثلاثة عقود، وتغير التحالفات، وتعدد الفاعلين من رموز نظام المحتل، بقيت النتيجة واحدة، وهي فشل كل المشاريع التي تجاهلت الإرادة الجنوبية أو حاولت تجاوزها أو احتوائها أو القفز عليها.
ولهذا فإن التعامل مع الجنوب اليوم بوصفه ملفاً أمنياً، أو ورقة تفاوض ضمن توازنات إقليمية، أثبت محدوديته. فالتجارب السياسية، تؤكد أن المجتمعات التي تمتلك ذاكرة صراع طويلة لا تستجيب للضغط، بل تزداد تمسكاً بخياراتها كلما شعرت بأن كرامتها وإرادتها يتم الالتفاف عليها، ولهذا، فإن سياسات الاستقواء أو الاستفزاز، مهما بدت فاعلة على المدى القصير، تظل عاجزة عن إنتاج استقرار مستدام.
كما أن العبث بالذاكرة الجمعية للجنوبيين، عبر استدعاء رموز أو شخصيات ارتبطت في وعيهم بسنوات القمع والاضطهاد لنظام الاحتلال، لا يمثل خطأً أخلاقياً فحسب، بل يعتبر خللاً استراتيجياً عميقاً، فالذاكرة السياسية عنصر فاعل في تشكيل السلوك الجمعي، وتجاهلها لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات وتأجيل الانفجارات.
ورغم هذا التاريخ المثقل بالجراح، لا ينطلق الجنوب اليوم من موقف عدائي تجاه محيطه الإقليمي، بل ينظر أبنائه إلى المملكة العربية السعودية باعتبارها دولة محورية في أمن المنطقة، وشريكاً في حفظ الاستقرار الإقليمي، لا سيما في ما يتعلق بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية، وأمن الجوار، ومكافحة الإرهاب والتهديدات العابرة للحدود. غير أن هذه الشراكة، وفق المعايير السياسية، لا يمكن أن تبنى على فرض الوقائع أو تجاهل الخصوصيات المحلية، بل على الحوار والاعتراف المتبادل بالمصالح.
وعليه نقول: إن استقرار الجنوب لم يعد شأناً داخلياً بحتاً، بل بات مرتبطاً بشكل مباشر بمعادلات الأمن الإقليمي والدولي، وأي مقاربة تتجاهل الإرادة الشعبية الجنوبية، أو تحاول إدارتها من الخارج، وعبر قيادة لا تنتمي للشعب وقضيته، لن تسهم في تحقيق هذه الأهداف، بل ستزيد من حالة التعقيد إلى مشهد مضطرب أصلاً.
كما أن التجارب الدولية أثبتت أن الحلول الأكثر استدامة هي تلك التي تنطلق من احترام الشعوب لا تجاوزها، ومن قراءة الوقائع لا إنكارها، والجنوب اليوم، وهو ماض في التعبير عن قضيته بوسائل سياسية وشعبية، لا يزال يترك نافذة مفتوحة أمام مقاربة أكثر عقلانية، تقوم على الحوار لا الضغط، وعلى الشراكة لا الوصاية، فالإرادة التي صمدت لعقود لا يمكن كسرها، لكنها يمكن أن تكون أساساً لاستقرار حقيقي إذا ما أُحسن التعامل معها.
والله من وراء القصد.
زر الذهاب إلى الأعلى