كتب : جميل سيف
ما يجري في الجنوب خلال الأحداث الأخيرة لم يعد قابلاً للتأويل أو التبرير، بل يكشف مساراً واضحاً لسياسة سعودية تقوم على إدارة الصراع لا حله، وتطويع القضية الجنوبية لا إنصافها.
تحت لافتة ما يسمى بـ«الحوار الجنوبي» المنعقد في الرياض تمارس ضغوط فجة على وفد المجلس الانتقالي الجنوبي وصلت إلى حد إصدار بيان حل المجلس، في خطوة قوبلت برفض شعبي جنوبي واسع ورفض صريح من الرئيس عيدروس الزُبيدي وهو ما يؤكد أن ما يطرح في الرياض لا يعكس إرادة الجنوب ولا قراره الوطني المستقل
*الأخطر من ذلك* هو ظهور بعض قيادات وفد الانتقالي في وسائل إعلام سعودية بتصريحات بدت وكأنها إملاءات جاهزة لا مواقف نابعة من واقع الجنوب أو معاناة شعبه الأمر الذي يطرح تساؤلات مشروعة حول حجم الضغوط وحدود القدرة على قول الحقيقة داخل غرف الحوار
أما الوعود السعودية—وفي مقدمتها صرف مرتبات القوات العسكرية الجنوبية وتحسين الأوضاع الاقتصادية ابتداءً من يوم الأحد—فقد سقطت عملياً مع مرور الأحد دون تنفيذ لتتكشف مجدداً سياسة الوهم والشراء المؤقت للوقت وامتصاص الغضب لا أكثر.
وفي محاولة مكشوفة لاحتواء الشارع الجنوبي، ظهرت قيادات جنوبية تعقد لقاءات تشاورية في الرياض تحت نشيد وراية الجنوب في مشهد يوحي بالدعم لكنه في جوهره محاولة لامتصاص الغضب الجنوبي ودفعه للوقوع في فخ سياسي محكم
وفي المقابل على الأرض نرى واقعاً يناقض كل خطابات الحوار
سيطرة قوات عسكرية شمالية على حضرموت والمهرة
توافد قوات درع الوطن إلى أبين وعدن ولحج.
استهداف مباشر ومتكرر للقوات المسلحة الجنوبية بطيران سعودي أدى إلى إخلاء معسكرات في عدن ولحج والضالع.
استمرار تحليق الطيران السعودي فوق مدن الجنوب في رسالة تهديد لا شراكة.
وقف تمويل ومرتبات وتغذية القوات الجنوبية المرابطة في جبهات القتال ضد الحوثي.
فأي حوار هذا الذي يدار في الخارج، بينما تشن على الجنوب حرب مفتوحة على الأرض؟
وأي تفاهم يمكن الوثوق به، إذا كان يسبق بالقصف وفرض الأمر الواقع بالقوة وتجفيف مصادر بقاء القوات التي حررت الجنوب وحمت أمنه وحاربت الإرهاب والمخدرات لعشر سنوات؟
*إننا نرى اليوم هرولة واضحة من بعض القيادات الجنوبية السياسية والإعلامية وربما العسكرية* باتجاه الرياض في مشهد يثير القلق، حيث يسوق للرأي العام الجنوبي أن ما يجري هناك يصب في مصلحة القضية الجنوبية، بينما الوقائع على الأرض تقول العكس تماماً.
الحوار الحقيقي—في أي تجربة سياسية محترمة—لا يبنى تحت القصف، ولا بعد استهداف الحلفاء، ولا مع إقصاء الإرادة الشعبية. الحوار يحتاج أرضية آمنة، وشراكة متكافئة واعترافاً واضحاً بتضحيات الجنوب وقواته لا محاولات إخضاع وتفكيك
وحتى هذه اللحظة ما نراه ليس حواراً بل إدارة صراع ضد الجنوب ومحاولة لإعادة رسم موازين القوة على حساب دماء وتضحيات من واجهوا الحوثي وحرروا الأرض وحموا الجنوب حين تخلى عنه الجميع.
زر الذهاب إلى الأعلى