مقالات وتحليلات

سياسة المملكة تجاه المجلس الانتقالي : نوايا مبيتة وصراع حسابات إقليمية

سياسة المملكة تجاه المجلس الانتقالي : نوايا مبيتة وصراع حسابات إقليمية

كتب : عبدالسلام السييلي 

 

 

منذ بروز المجلس الانتقالي الجنوبي كقوة سياسية وعسكرية فاعلة على الأرض، وقيادته الواضحة لمشروع استعادة دولة الجنوب، دخلت العلاقة بينه وبين المملكة العربية السعودية في مسار بالغ التعقيد، اتسم بالتذبذب وازدواجية المواقف، وبرزت ملامحه بشكل أكثر وضوحًا منذ العام 2019م، حين بدأت تتكشف نوايا غير معلنة تهدف إلى تحجيم المجلس الانتقالي، بل والسعي للتخلص منه ومن قائده الرئيس عيدروس بن قاسم الزُبيدي وهذا ما اكده الكعبي في معسكر التحالف بمدينة الشعب أثناء اجتماعه بقيادات امنية واعلامية مع ميول واضحة جدا وتقارب بين الموقف السعودي وجماعة الاخوان .

 

فالمملكة، التي قادت تحالفًا عربيًا تحت شعار “إعادة الشرعية”، فوجئت بواقع سياسي جديد لم يكن ضمن حساباتها الأولى: كيان جنوبي منظم، يمتلك حاضنة شعبية واسعة، وقوات عسكرية فاعلة، ورؤية سياسية صريحة لا تنسجم مع مشروع “اليمن الموحد” الذي كان احد مخرجات الحوار الوطني الذي اقيم في صنعاء برعاية سعودية عند تنازل عفاش عن الحكم ، ولا مع استمرار معادلة وحدة أثبتت فشلها منذ حرب صيف 1994م وهذا الموقف للانتقالي وقائده لم يكن جديدا بل ان الرجل صارح الجميع وبوضوح ان هدف أبناء الجنوب استعادة دولتهم والقضية الجنوبية ليست وليدة حرب 2015 بل انها منذ العام 1994م .

 

اتفاق الرياض: أداة احتواء لا شراكة حقيقية

 

منذ توقيع اتفاق الرياض في نوفمبر 2019م، بدا جليًا أن الاتفاق لم يُصغ بروح شراكة سياسية متوازنة، بل استُخدم كأداة لاحتواء المجلس الانتقالي وتقييد حركته. فقد جرى تعطيل الشقين العسكري والأمني، واستخدام عامل الوقت لاستنزاف قوة الانتقالي، في مقابل الإبقاء على قوى معادية لقضية الجنوب داخل منظومة “الشرعية” دون إصلاحات حقيقية أو مساءلة سياسية، وهو ما كشف عن خلل بنيوي في نوايا التنفيذ وأهدافه.

 

التوتر السعودي – الإماراتي وانعكاسه على الانتقالي

 

لا يمكن فهم سياسة المملكة تجاه المجلس الانتقالي الجنوبي بمعزل عن التوترات غير المعلنة بين السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، الداعم الإقليمي الأبرز للمجلس سياسيًا وعسكريًا. فالإمارات، منذ تدخلها ضمن التحالف العربي، تعاملت مع الجنوب بوصفه شريكًا فاعلًا في مكافحة الإرهاب وتأمين الممرات البحرية، وأسهمت في بناء قوات جنوبية منظمة أثبتت كفاءتها وقدرتها على بسط الأمن والاستقرار في مناطق واسعة كما ساهمت بشكل كبير في دعم الجنوب إنسانياً وتنموياً في جميع المجالات.

 

في المقابل، نظرت المملكة إلى هذا الدور الإماراتي بعين الريبة، واعتبرته تهديدًا لنفوذها التقليدي في الملف اليمني، الأمر الذي انعكس مباشرة على موقفها من المجلس الانتقالي، باعتباره الامتداد السياسي والعسكري لهذا الدعم. ومن هنا، لم يعد استهداف الانتقالي مجرد خلاف سياسي عابر، بل جزءًا من صراع نفوذ إقليمي، تُستخدم فيه الأطراف المحلية كأوراق ضغط في معادلات أكبر.

 

استهداف القيادة ومحاولات التفكيك

 

أما استهداف القائد عيدروس الزُبيدي، فقد كان في صلب هذه السياسة، سواء عبر محاولات تهميشه سياسيًا، أو السعي لفصله عن قاعدته الشعبية، أو التعامل معه كحالة مؤقتة يمكن تجاوزها مع مرور الوقت. غير أن هذه الرهانات اصطدمت بواقع صلب: قائد يمتلك شرعية نضالية وتفويضًا شعبيًا، ومشروعًا وطنيًا لم يعد قابلًا للإلغاء أو القفز عليه.

 

هواجس قيام دولة جنوبية مستقلة

 

إن ما يمكن وصفه بـ“النية المبيتة” منذ 2019م لا ينفصل عن هواجس إقليمية تتخوف من قيام دولة جنوبية مستقلة ذات قرار سيادي، قد تعيد رسم موازين النفوذ في المنطقة، وتفتح الباب أمام شراكات إقليمية ودولية جديدة خارج إطار الهيمنة التقليدية. غير أن محاربة هذا المشروع أو الالتفاف عليه لن تؤدي إلا إلى تعقيد المشهد، لأن قضية الجنوب لم تعد قضية نخبة أو فصيل، بل قضية شعب بأكمله دفع أثمانًا باهظة، ولن يقبل العودة إلى ما قبل الوعي والتضحيات.

 

الحملة الإعلامية الشرسة: خوف مكشوف واستهداف متعمد

 

وقبل الوصول إلى الخاتمة، لا يمكن إغفال الحملة الإعلامية الشرسة والمنظمة التي شنّها الإعلام السعودي بمختلف وسائله وأذرعه ضد المجلس الانتقالي الجنوبي، وعلى وجه الخصوص ضد شخص الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي. فقد سُخّرت القنوات الفضائية، والمواقع الإلكترونية، والصحف، إضافة إلى جيوش الذباب الإلكتروني على منصات التواصل الاجتماعي، في حملة ممنهجة هدفت إلى تشويه صورة الزُبيدي والنيل من رمزيته الوطنية والنضالية.

 

هذه الحملة لم تكن عفوية ولا ردّة فعل آنية، بل جاءت ضمن سياق سياسي واضح يعكس حجم القلق والخوف من عودة الزُبيدي بقوة إلى المشهد السياسي، إقليميًا ودوليًا، باعتباره قائدًا جنوبيًا يمتلك حضورًا شعبيًا، ورؤية سياسية واضحة، وعلاقات متنامية تتجاوز محاولات العزل والتهميش. وبدلًا من التعاطي معه كحقيقة سياسية قائمة، جرى اللجوء إلى أساليب التشويه والانتقاص وتلفيق التهم الكاذبة، في محاولة يائسة لهز صورته الرمزية المقاومة في وجدان شعبه.

 

إن هذا الاستهداف الإعلامي المكثف لا يدل إلا على إدراك عميق بخطورة مشروعه الوطني، وبأن حضوره لا يمكن احتواؤه أو تجاوزه بسهولة. فالقائد الذي يُحارب بهذا الزخم الإعلامي هو بالضرورة قائد مؤثر، يُخشى من عودته لا لأنه ضعيف، بل لأنه يمثل رمزًا لقضية عادلة وذاكرة نضال لا يمكن طمسها.

 

خاتمة

 

ختامًا، فإن أي سياسة تقوم على إقصاء المجلس الانتقالي الجنوبي، أو تجاهل إرادة شعب الجنوب، أو توظيف الصراعات الإقليمية والحملات الإعلامية لتصفية حسابات سياسية، هي سياسة محكومة بالفشل. فالقضية الجنوبية اليوم لم تعد قابلة للتهميش أو التشويه، والقائد الذي يستمد شرعيته من شعبه لا يمكن إسقاطه بضخ إعلامي أو حملات تضليل. وسيظل المجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادته ومشروعه الوطني، رقمًا صعبًا في المعادلة، لا يمكن تجاوزه مهما تغيّرت التحالفات وتبدلت المصالح وهذا ما اثبتته المليونية الاخيرة التي دعا اليها الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي في عدن من اجل دعم الاعلان الدستوري يوم الجمعة ١٦ يناير ٢٠٢٦م حيث اظهرت الحشود الغفيرة التي جاءت من كل انحاء الجنوب تمسكها بالمجلس الانتقالي ورئيسه عيدروس الزبيدي .

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى