كتب : د. يحيى شايف ناشر الجوبعي
لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على الاجتياحات العسكرية المكشوفة، بل انتقلت إلى طور أكثر تعقيدا يدار عبر التفتيت الناعم وصناعة النخب البديلة.
إن محاولة غرس ما يسمى (بالمجالس التنسيقية) في محافظات الجنوب العربي ما هي إلا عبارة عن قناع لتأسيس (مجالس وحدوية ) بهوية يمنية تهدف إلى شرعنة قوى الاحتلال اليمني الإرهابية وبرعاية وإخراج من قبل سلطات الوصاية السعودية التي تعمل بشكل مكثف لزرعها بمحافظات الجنوب العربي .
إن هذه الجهود المعادية التي تعمل بشكل مكثف لا تمثل حراكا سياسيا عفويا، بل هي أطروحة مصنعة تختبر في غرف مغلقة، إلا أنها سرعان ما تصطدم مباشرة بالهوية التاريخية والواقعية للأرض الجنوبية .
إن الهدف الوحدوي لهذه الكيانات الغريبة يحمل شحنة دلالية تحيل المستقبل الموعود إلى ماض مأزوم ، يسقط عنها أي قناع إنقاذي ، لأنه تأطير يضعها فورا في مربع تدوير الصيغ السياسية منتهية الصلاحية ، ويحولها في الوعي الجمعي إلى أدوات لإعادة إنتاج أزمة مركبة يرفض المجتمع الجنوبي تكرارها جينيا.
هذا الرفض يتعمق عندما يتضح البعد التوجيهي الخارجي المرتبط بالإخراج السعودي لهذه الهندسة المفضوحة التي تنقل هذه المجالس الكرتونية من سياق المطالب الشعبية السيادية النابعة من حتمية الداخل الجنوبي، إلى سياق المخططات الهيكلية المستوردة والمصممة بمقاسات جيوسياسية تخدم مصالح الاحتلال السعودي أولا وأخيرا ،
أما الجغرافيا الجنوبية فلم يتعاملوا معها إلا كحقل تجارب لإدارة الأزمات لا لحلها.
مما يلحظ بأن هذه المشاريع الوهمية ذات الطابع الوحدوي الميت عندما تلتقي بالفضاء الجنوبي المقاوم ، يحدث صدام وجودي وهوياتي حتمي ؛ لأن الانتقال إلى مفهوم الفضاء الجنوبي يعكس عمق الصراع على المجال الجنوبي العام.
إن زرع كيانات تدويرية في بيئة مشبعة بهوية تحررية جامعة (الجنوب العربي) يخلق حالة من الرفض المناعي التلقائي.
وهنا تصطدم الهندسة السعودية بالجدار الصلب لهوية الجنوب التاريخية ، مما يولد ممانعة جنوبية واعية لا تستهدف الأشخاص ؛ بل تستهدف بنيتها الهجينة برمتها.
ولهذا تتضح آليات اشتغال هذا التوجيه الناعم عبر مسارات تدميرية ممنهجة هي :
١-تفريخ النخب المرنة: من خلال صناعة وكلاء محليين بواجهات داخلية وخلفيات تمويلية سعودية ، لخلق حالة تعادل سلبي تهدف خاسئة إلى محاولة عرقلة نضال الشعب الجنوبي بقيادة الأخ الرئيس القائد عيدروس الزبيدي رئيس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية ، إلا أن مثل هذه المحاولات المفضوحة والمستفزة تدفع الشعب الجنوبي المقاوم ورئيسه المفوض عيدروس الزبيدي إلى المزيد من الاستماتة في الثبات والصمود والاستمرارية في النضال حتى استعادة الدولة الجنوبية المستقلة بحلتها الفدرالية الجديدة.
٢-تسييس الأزمات البنيوية : ويتم ذلك من خلال استغلال حرب الخدمات وتجويع المدن كأوراق ابتزاز سياسي، لتصبح المعادلة المضمرة هي: (الولاء والمساومة) مقابل الدعم الاقتصادي،
كما تهدف هذه التشكيلات السعودية إلى الاستثمار بالتناقضات المجهرية من خلال محاولة إحياء النعرات القبلية والمناطقية، واستدعاء شخوص مستهلكة تاريخيا لتفكيك النسيج المجتمعي الموحد.
ولهذا فأن أي كيان سياسي لا يستمد أنفاسه وشرعيته من جينات الأرض الجنوبية، وتطلعات الشعب الحقيقية، وبنادق المقاومة التي حمت الجغرافيا، هو (كيان هجين سياسيا) ومحكوم عليه بالزوال العضوي بمجرد توقف التمويل أو تبدل بوصلة المصالح السعودية .
إن تحويل هذه الهندسة السعودية إلى مشروع ساقط الصلاحية لا يتطلب الآن الصدام العسكري ، بل يتطلب التحصين المعرفي ، والارتقاء بالأداء المؤسسي للقوى السيادية، وسد الثغرات الداخلية وتفعيل عملية التصعيد الثوري لتأكيد حقيقة راسخة بأن جغرافيا التحرر عصية على الترويض بخرائط الفنادق والكيانات الهلامية، مما سيؤدي إلى تفعيل عملية التصعيد النضالي التي ستفضي حتما إلى إفشال هذه المسرحية الهزلية المفضوحة كما فشلت كل المسرحيات السابقة.
زر الذهاب إلى الأعلى