بقلم: د. أمين العلياني
ثمة، في عرف العلم السياسي ومنطلقات الواقعية السياسية إزاء قضايا الشعوب العادلة، تتجلى صورة صادقة الملامح، جلية القسمات، لا يعتريها لبس ولا يشوبها غموض، حين يتعلق الأمر بتلك المشاريع الوطنية الكبرى التي تناضل من أجلها الشعوب الحية، وتبذل في سبيلها أغلى ما تملكه يد الإنسان وأعز ما تختزنه روحه؛ إنها الأرواح التي تزهق فداء لقبلة التراب الطاهر، وانتصارًا لفكرة الحرية المقدسة التي لا تساوم ولا تباع ولا تشترى. وفي هذا السياق السياسي الفارق، حين يتخذ الموقف الصادق من الدول الإقليمية التي تحاول أن تتبنى رعاية تلك المشاريع ومناصرتها وتأييدها في شكلها النهائي، فإن صدقية النوايا هناك تنكشف باطنًا وظاهرًا، وتظهر العبثية في التعامل مع القضايا المصيرية مقابل الجدية والوضوح، فلا يبقى حينها متسع للتأويل ولا مجال للبس المفسرين.
إن قضية شعب الجنوب، في جوهرها العميق ومضمونها السياسي الرصين، لا يمكن اختزالها في صورة مجالس تنسيقية أو فئات مجتمعية جاءت بدعم خارجي تريد أن تتحايل على إرادة شعب موحدة لتجعلها خاضعة على بوتقة ومقاييس الدولة اليمنية الواحدة، بل أن قضية الجنوب هي قضية شعب عادلة وإرادة شعب جمعية، تختزن في ثناياها أبعادًا تاريخية راسخة، وأطرًا اجتماعية متماسكة، وهوية متفردة وانتماء لا يقبل القسمة على ذاته. إنها قضية شعب عربي كان له كيانه الدولي المستقل، دولة قائمة بين الدول العربية المعترف بها دوليًا، يرفع علمه خفاقًا في سماء السيادة، ويتعامل بعملته الوطنية في أسواق الكرامة، وتنتمي جغرافيته إلى خريطة التاريخ والسياسة، وكان له ممثلوه الدبلوماسيون في ردهات الأمم المتحدة، ومقاعده الثابتة في أروقة جامعة الدول العربية.
وبعد مسيرة طويلة من نضال شعب الجنوب الباسل، وإرادته الحرة التي لا تلين ولا تنكسر، في سعيه المقدس نحو استعادة دولته المستقلة وعاصمته الأبدية عدن، بعد تلك الوحدة الاندماجية الفاشلة التي قضي على حلمها الموعود بحروب متتالية لم تتوقف جذوتها الشريرة منذ العام الرابع والتسعين من القرن الماضي، وما تلاها من تدمير ممنهج ومبرمج للأرض والإنسان والثروة والهوية الوطنية حتى تكرر المشهد المأساوي بحروب دامية في العام الخامس عشر من الألفية الثالثة، وما زالت المأساة مستمرة إلى يوم الناس هذا، خرج شعب الجنوب بشتى صنوف النضال السلمي تارة والمسلح تارة أخرى، وبمختلف وسائل الرفض القاطع على كل أشكال الوصاية البغيضة والاحتلال اليمني الهمجي الذي لم يأل جهدًا في سحق الإرادة وتدمير الحياة وتمزيق النسيج الاجتماعي وتجزئة الهوية الوطنية الجامعة.
وحين هم الجنوب، بإرادته الموحدة الجمعاء، أن يلم شتاته الممزق بفعل الانقسامات الداخلية المفتعلة وتبايناته الاجتماعية المستغلة في وسائل النضال المتعددة، تلك التي كان المحتل اليمني يغذيها بدأب مريب بهدف استمرار هيمنته البغيضة واغتصاب أرضه وثرواته وإذلال إنسانه، أجمعت الإرادة الشعبية الجنوبية على مشروع سياسي موحد، تشكل في المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، وخطت ملامحه أيادي الأحرار، وأقسمت على صيانته قلوب الأبطال، ومن خلال هذا الإجماع التاريخي النادر جاء التفويض الشعبي العارم في تفويض قائد يقود المشروع الوطني المقدس، ويلتحم بالجماهير في مساره الصحيح. وهنا، في ذروة الوضوح الشعبي وتجلياته، جاءت التدخلات الإقليمية زاعمة أن الإرادة الشعبية المجتمعة ليست هي صاحبة الحق الأصيل في التفويض واختيار من يمثلها ويراه المفوضون مناسبًا في التعبير عن تطلعاتهم المصيرية، بل زعمت – بغرور المتآمرين – أن النخب المختلفة والفئات الاجتماعية المعبرة عن صانعها، والمجالس التنسيقية الممولة خارج إطار الشعب، هي من تملك حق تقرير خيار النضال، وهي الأدرى برسم مداميك المشروع الوطني المصيري نيابة عن الشعب وإرادته المنتزعة انتزاعًا!
وهنا يبرز السؤال الوجودي، الذي يضع نفسه أمام كل وطني غيور على ترابه، ومخلص لدماء شهدائه: من متى، في قاموس النضالات ومحك التاريخ، كانت النخب السياسية الموالية لخارج الحد الوطني، والفئات الاجتماعية الممولة من صناع القرار الإقليمي، والمجالس التنسيقية المحلية التي تمولها دول وتتبناها أحزاب لا تنتمي إلى الجنوب هوية ولا تعترف بحق شعبه في استعادة دولته انتماء، هي من تقرر المشروع الوطني المصيري نيابة عن إرادة الشعب الحر؟ ألم يأن لنا أن نسأل: هل يستطيع المختلف في تمويله، المتعدد في مصادره، المتناقض في أيديولوجياته، أن يصبح صانعًا لهدف مصيري موحد، جامع لشتات الأمل، موحد لكلمة النضال، أم أنه لن يكون إلا أداة حادة لتفكيك المشروع الوطني الموحد إلى حواضر ذاتية صغيرة، وكيانات هشة معبرة عن ممولها ومغذيها، لا عن ترابها ودم أبنائها؟ ومتى – بربكم – تصير الإرادة الشعبية الجارفة للجنوب هي صاحبة الحق الأوحد في التعبير والنضال، ومالكة الحق الحصري في إطلاق التطلعات المصيرية وتوجيه دفة الكفاح، وذلك بعد أن تكاد المجالس التنسيقية الممولة والفئات الاجتماعية المدفوعة والنخب المؤدلجة أن تنصب قسرًا وتفرض إقليميًا في قيادة مشهد التفكيك والتآمر على المشروع الوطني الجنوبي الموحد والعظيم؟
فاحذروا، يا أحرار الجنوب وأبطاله الصامدين في وجه العواصف، احذروا مشاريع التفكيك الممنهج، ودسائس التآمر الخفية على إرادة شعبكم المنتصرة، قبل أن يضيق مجال الندم وتغيب شمس الفرص، فلا يعود ينفع النداء ولا تجدي البكاء على أطلال وطن كان يستطيع أن يكون، لولا أن أيادي خفية وتنسيقيات ممولة تحاول وتعمل ليلًا ونهارًا أن تسرق حلم شعبكم من بين ضلوع أبنائكم. فكونوا على ميعاد مع إرادتكم، فإنها وحدها بوصلة الخلاص وطريق النصر المبين.
وبهذا أطالبكم أن تخرجوا يوم السابع من يوليو 2026م وترفعوا أصواتكم عالية وقولوها مدوية لا وصاية على إرادة شعبنا واغتصاب تطلعاتنا ومحاولة شيطنة رموز ثورتنا وقادة مشروعنا؛ فالشعب بإرادته هو صاحب الحق وهو قول الفصل.
زر الذهاب إلى الأعلى