بقلم : د. أمين العلياني
لم تبدأ الحكاية عند الحدود بين السعودية واليمن عند جازان ونجران وعسير، بل تجلت في حضرموت والمهرة كخطوط حمراء على الجنوب؛ فالجنوب العربي لم يكن يومًا تهديدًا طبيعيًّا لأمن المملكة العربية السعودية، لكنه تحوّل، في بعض الحسابات السياسية السعودية، إلى مساحة يُراد إبقاؤها تحت السيطرة لا شريكًا في صناعة الاستقرار في المنطقة. وحين يُختزل الأمن القومي السعودي في الجنوب العربي حتى يوجب اضعافه ومحاولة كسر مشروعه التحرري الذي يمثله المجلس الانتقالي منعًا للتهديد عن الحدود بصورة مزعومة، ومنع تشكّل قوة موازية حسب مزاعم الرياض، والإبقاء على القرار العسكري والأمني تحت مظلة واحدة، فإن السؤال الحقيقي لا يعود: كيف تُحمى الحدود؟ بل: من يملك حق تعريف الخطر؟ ومن يقرر أن إرادة شعب في استعادة دولته تمثّل تهديدًا ينبغي احتواؤه؟
إن أخطر ما في المعادلة في نظر الوصاية السعودية أنها تنقل قضية شعب الجنوب من مفهومها السياسي إلى غرفة الأمن، ومن حق تقرير المصير إلى ملف مخاطر، ومن شعب يطالب باستعادة دولته إلى قوة ينبغي احتواؤها كمظلومية يمكن تمثيلها في مجالس تنسيقية وفئات مجتمعية ومكونات كرتونية. وهنا يبدأ التزييف: حين يصبح مشروع شعب، يستند إلى تاريخ وهوية وجغرافيا وإرادة سياسية، احتمالًا مقلقًا للأمن الإقليمي، بينما تتراجع في ميزان الحسابات مسؤولية القوى التي صنعت الفوضى وأنتجت الانهيار ومكّنت الحوثيين من السيطرة على صنعاء.
إن منع التهديد عن الحدود السعودية هدف مشروع لأي دولة، لكن تحويل هذا الهدف إلى ذريعة لإبقاء الجنوب بلا قرار نهائي، وبلا دولة مكتملة، وبلا سلام دائم، مسألة أخرى تمامًا. فالجنوب المستقل المستقر ليس خطرًا على الحدود، بل يمكن أن يكون أحد أهم ضمانات أمنها؛ لأن الدول المستقرة لا تصنع الفوضى، ولأن الشريك الذي يعرف حدوده وحقوقه ومصالحه أكثر قدرة على بناء علاقة أمنية واضحة من أرض معلّقة بين سلطات متعددة وشرعيات متنافسة.
أما الحديث من قبل الرياض عن منع أي قوة من التحول إلى قوة موازية تفرض أمرًا واقعًا، فيكشف تناقضًا لا يمكن تجاهله: كيف يُسمح لفوضى القوى اليمنية أن@ تفرض أمرًا واقعًا، وللمليشيات الحوثية أن ترسم خرائط جديدة بالقوة، بينما يُطلب من شعب الجنوب أن يبقى أسير ترتيبات انتقالية لا تنتهي؟ ولماذا تصبح القوة التي تحمي الجنوب تهديدًا، بينما يُقدَّم غياب القوة بوصفه ضمانة للاستقرار؟
الحقيقة أبسط من كل التعقيدات: الشعب الذي يُمنع من حماية مشروعه يُترك تحت رحمة الآخرين، والفراغ السياسي والعسكري لا يصنع الأمن؛ إنه يصنع الوصاية.
ثم تأتي العبارة الأكثر دلالة وهي الإبقاء على القرار الأمني والعسكري تحت مظلة التحالف والحكومة المعترف بها، لا تحت علم دولة أخرى. وهنا تختصر الأزمة كلها؛ لأن المشكلة ليست أمنية فحسب، بل تتصل باحتكار تعريف الشرعية، وبافتراض أن أي دولة جنوبية مستعادة هي دولة موازية، لا مشروعًا سياسيًّا لشعب كان يمتلك دولته قبل الوحدة، ثم وجد نفسه، بعد حرب 1994م، أمام واقع مختلف فُرض بالقوة وأنتج صراعًا لم يتوقف حتى اليوم.
إن الجنوب العربي لا يحتاج إلى أن يكون قاعدة ضد أحد، ولا يريد أن تتحول أرضه إلى مصدر تهديد لجيرانه، لكنه لا يستطيع، في المقابل، أن يقبل بأن يصبح أمن الآخرين سببًا دائمًا لتعليق مستقبله. فالأمن الحقيقي لا يُبنى على تجميد القضايا، ولا على إدارة الأزمات إلى ما لا نهاية، ولا على إبقاء شعب كامل في المنطقة الرمادية بين الحرب والسلام؛ لأن أخطر الأوضاع ليست الحرب وحدها، بل حالة اللاحرب واللاسلم التي تستنزف الشعوب، وتمنع قيام الدول، وتُبقي القرار الوطني مؤجلًا إلى أجل لا يحدده أصحاب الأرض.
أما تعليق القضايا العادلة كقضية شعب الجنوب فلا يصنع سلامًا؛ بل يصنع تأجيلًا للصراع الذي سرعان ما ينفجر لا يسهل احتواءه.
وهنا تكمن الغاية: إن تحويل الجنوب إلى ملف أمني بدل الاعتراف به قضية سياسية وطنية لن يصنع استقرارًا دائمًا غير أنه قد يؤجل الانفجار، وقد يفرض ترتيبات مؤقتة، وقد يضبط الحركة، لكنه لن يلغي حقيقة أكبر من كل الحسابات وهي أن شعبًا يمتلك ذاكرة الدولة وإرادة الاستعادة لا يمكن أن يظل إلى الأبد مشروعًا مؤجلًا تحت وصاية الآخرين تحت ذرائع الأمن القومي القوى الموازية المهددة للإقليم.
ومن هنا فالجنوب العربي لا يطلب الحرب، لكنه يرفض أن تكون الوصاية بديلًا عن السلام؛ ولا يهدد أمن الجوار، لكنه يرفض أن يتحول أمن الجوار إلى ذريعة لحرمانه من تقرير مستقبله.
وبين وطن يريد أن يستعيد قراره، وقوى تريد إبقاءه معلّقًا، تبقى الحقيقة الأكثر إزعاجًا واضحة وهي لا أمن دائمًا في أرض يُمنع شعبها من امتلاك قراره، ولا سلامًا حقيقيًّا في وطن يُطلب منه أن يبقى إلى الأبد معلّقًا بين الحرب والدولة.
والوصاية حين تجعل الجنوب ملفًا أمنيًّا بلا سلام ليس استقرارًا، بل أزمة مؤجلة يراد للجنوب أن يتنازل عن حقه في استعادة الدولة إلى مظلومية قابلة للاحتواء وهذا ما ترفضه إرادة شعب الجنوب وقيادته المفوضة شعبيًّا.
زر الذهاب إلى الأعلى