عندما تتراجع الجبهات، وتسقط المواقع، ويقترب الحوثي من خطوط الخطر، تبدأ لعبة قديمة يعرفها الجنوب جيدًا: تتجه الأنظار إليه، وتُفتح أبواب الدعوات، ويصبح المقاتل الجنوبي فجأة هو الحل!
أما عندما تهدأ المعارك، وتعود الحسابات السياسية، فيعود الجنوب إلى آخر الصفوف، وتعود قضيته إلى أدراج الانتظار، وكأن دماء مقاتليه لم تُسفك، وكأن التضحيات التي قدمها لم تكن جزءًا من معادلة الحرب.
ما يحدث في الساحل الغربي وتعز، مع ما يُتداول عن تراجع قوات مناهضة للحوثيين وفقدان مواقع أمامه، يعيد طرح السؤال بقوة: هل أصبح الجنوب هو “رجل الإطفاء” الدائم للحرب اليمنية؟
حين تتراجع قوات أخرى، يُطلب من الجنوبي أن يتقدم. وحين تضيق الجبهات، يُطلب منه أن يحمل السلاح. وحين تُفقد المواقع، يُطلب منه استعادتها. لكن عندما تصل المعركة إلى السياسة، يصبح الحديث عن حقوق الجنوب ومشروعه السياسي مؤجلًا مرة أخرى!
هذه ليست شراكة متوازنة، بل معادلة مختلة: الجنوب مطلوب عسكريًا، لكنه مؤجل سياسيًا.
ولا يحتاج الجنوب إلى من يزايد عليه في عداء الحوثيين؛ فقد عرف خطر الحوثيين في ميادين القتال قبل كثيرين، ودفع ثمنًا باهظًا في مواجهتهم. لكن مواجهة الحوثي لا تعني أن يتحول الجنوب إلى قوة مفتوحة الاستخدام، ولا تعني أن تكون تضحيات أبنائه بلا مقابل سياسي.
فالجنوب ليس شركة مقاولات عسكرية، وليس مخزونًا بشريًا يُفتح مستودعه كلما انهارت جبهة.
المشكلة ليست في أن يقاتل الجنوبي، بل في أن يُطلب منه القتال دون أن يعرف إلى أين تقوده هذه الحرب، ومن يضمن له مستقبله بعدها؟
فما جدوى استعادة موقع عسكري إذا كانت النتيجة أن يعود الموقع ذاته إلى القوى التي فقدته؟ وما معنى الانتصار الميداني إذا كان الجنوب هو من يدفع ثمنه بالدم، بينما يقرر الآخرون وحدهم مستقبل الأرض والسياسة؟
إن استمرار هذه المعادلة يعني إعادة إنتاج الحرب ذاتها: يتراجع الآخرون، يتقدم الجنوب، تُستعاد المواقع، ثم تبدأ المساومات من جديد، ويُطلب من الجنوب الانتظار.
لكن الجنوب اليوم ليس جنوب الأمس.
لقد تغيرت موازين القوة، وتراكمت التجارب، وأصبح السؤال أكثر وضوحًا: إذا كانت دماء الجنوبيين مطلوبة لحماية الجبهات، فلماذا لا تكون حقوق الجنوب مطلوبة بالقدر ذاته على طاولة السياسة؟
من يريد الجنوب في مواجهة الحوثيين عليه أن يتعامل معه كشريك كامل، لا كقوة عسكرية مؤقتة.
الشراكة الحقيقية لا تعني أن يحمل طرف السلاح بينما يحتفظ الآخرون وحدهم بحق تحديد المستقبل. الشراكة تعني أن تكون التضحيات العسكرية مرتبطة بضمانات سياسية واضحة، وأن يكون للجنوب حضور حقيقي في أي ترتيبات تتعلق بالحرب والسلام ومستقبل المنطقة.
فالجنوب لا يرفض مواجهة الخطر، لكنه يرفض أن تتحول تضحياته إلى شيك سياسي مفتوح بلا سقف ولا ضمانات.
ومن يعتقد أن بإمكانه استدعاء القوات الجنوبية عند كل أزمة، ثم تجاهل قضية الجنوب بعد انتهاء الأزمة، فهو يكرر خطأً سياسيًا لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة.
لقد آن الأوان لتغيير المعادلة:
لا استدعاء للجنوب وقت الخطر ثم تجاهل الجنوب وقت الحل.
لا دماء جنوبية في الميدان مقابل وعود مؤجلة على طاولة السياسة.
لا شراكة عسكرية من طرف واحد.
فالجنوب قادر على القتال، لكنه يريد أن يعرف: ماذا بعد القتال؟
وهذا هو السؤال الذي يجب أن يسمعه الجميع قبل أن تبدأ معركة جديدة، لا بعدها.
لأن الجنوب ليس رجل إطفاء يُستدعى عندما تشتعل الجبهات، ثم يُطلب منه مغادرة المشهد عندما تنطفئ النيران.
ومن يريد الجنوب شريكًا في الحرب، فعليه أن يعترف به شريكًا في السلام والسياسة وصناعة المستقبل.
زر الذهاب إلى الأعلى