بقلم : د. أمين العلياني
لم يكن تحركُ المليشيات الحوثية نحو الجبهات المتصلة بباب المندب مجردَ اندفاعٍ عسكريٍّ أو محاولةً تقليديةً لتوسيع نطاق الاشتباك؛ فاختيارُها جبهاتٍ تدرك صلابتَها، وما طرأ عليها من إعدادٍ وتسليحٍ وتدريب، في ظل الدعم الإماراتي الذي حظيت به بعضُ هذه القوات، والرهانات السعودية اللاحقة عليها، يكشف عن حساباتٍ تتجاوز مجردَ السيطرة على الأرض؛ فالحوثيون لا يتحركون بحثًا عن موقعٍ عسكريٍّ فحسب، بل عن اختبارٍ يكشف صلابةَ خصومهم، ومعلوماتٍ تنتجها المعركة، وورقةٍ يمكن توظيفها عندما تُفتح أبوابُ أي تسويةٍ مقبلة.
وقد تعددت التفسيراتُ للتحركات الحوثية الأخيرة؛ فمنها ما يراها اختبارًا لترتيبات القوى العسكرية المناهضة لهم، ومنها ما يربطها بالضغوط الاقتصادية ومحاولة تخفيفها، أو بالسعي إلى تعظيم المكاسب قبل المفاوضات. غير أن السؤالَ الأكثرَ إلحاحًا يبقى: لماذا يختار الحوثيون جبهاتٍ عاليةَ الكلفة، وفي مقدمتها قواتُ العمالقة الجنوبية والمقاومة الوطنية، بدلًا من خياراتٍ أقل مخاطرة؟ وهنا يبدو التصعيدُ أقربَ إلى عملية قياسٍ لصلابة الخصم وجاهزيته منه إلى محاولة تقدمٍ عسكريٍّ تقليدي.
ومن هنا يتجسد المشهدُ في أن المليشيات الحوثية لا تبحث عن الأرض وحدها، بل عن المعلومات التي تكشفها المعركة، مثل سرعة الاستجابة، ومستوى التنسيق، وقدرة القوات على إدارة المواجهة، ومواطن القوة والضعف. وهي تدرك جيدًا أن كلَّ اشتباكٍ يمنحها صورةً جديدةً عن خصومها، حتى لو لم ينتهِ إلى اختراقٍ حاسم؛ إذ قد تتحول المعرفةُ، في الحروب الطويلة، إلى رصيدٍ تفاوضيٍّ لا يقل أهميةً عن السيطرة العسكرية.
أما باب المندب، فالمليشيات الحوثية تدرك يقينًا أنه ليس مجردَ جغرافيا محلية يمكن التعامل معها بمعزلٍ عن محيطها، بل عقدةُ مصالحَ دولية، وأيُّ اقترابٍ من فضائه الاستراتيجي يفتح حساباتٍ تتجاوز حدودَ الصراع بين الشمال والجنوب. ولذلك قد تكون المليشيات الحوثية أكثرَ اهتمامًا بالقيمة السياسية للتصعيد من السيطرة المباشرة على المناطق المطلة على المضيق؛ فهم يريدون إثباتَ قدرتهم على الحركة وفتح الجبهات، وفرضَ أنفسهم طرفًا حاضرًا لا يمكن تجاوزُه في أي ترتيباتٍ قادمة.
لكن الخطرَ لا يكمن في حسابات المليشيات الحوثية وحدها، بل في الطريقة التي قد تُدار بها الردودُ عليهم، وهنا تبدأ الحكاية مع قضية شعب الجنوب من خلال استغلال قواته في دخول حربٍ غير مطلوبةٍ منها، وهو صاحبُ مشروعٍ سياسيٍّ واضحٍ ما زالت قوى الشمال لم تحدد موقفَها منه قبل دخول الحرب. ففي وقتٍ تعيد فيه القوى الشمالية ترتيبَ مواقعها العسكرية والسياسية استعدادًا لمرحلة ما بعد الحرب، يصبح استنزافُ القوات الجنوبية خارج حدود مشروعها الوطني خطرًا استراتيجيًّا، لا مجردَ مخاطرةٍ عسكرية. فالقوات الجنوبية ليست قوةً احتياطيةً لسد ثغرات الآخرين، ولا رصيدًا عسكريًّا وبشريًّا يُستهلك في جبهاتٍ مفتوحة، ثم تُترك قضيةُ شعب الجنوب خارج حسابات النتائج.
ومن هنا ينبغي أن تسبقَ السياسةُ البندقيةَ عند اتخاذ أي قرارٍ يتعلق بزج القوات الجنوبية خارج حدود الجنوب: ما الذي سيكسبه الجنوب من هذه المعركة؟ وما موقعُه في نتائجها؟ وهل ستتحول التضحيات إلى رصيدٍ لقضية شعب الجنوب، أم إلى مكاسبَ تفاوضيةٍ لقوى أخرى تستفيد منها شرعيةُ الإخوان وقوى المؤتمر النازحة في المنفى؟ ومن هنا، فالدفاعُ عن الجنوب وأمنه وحدوده مسؤوليةٌ جنوبيةٌ لا تقبل التردد، لكن حمايةَ الجنوب تختلف جذريًّا عن تبديد قوته في معارك لا تضمن مستقبلَه السياسي.
ومن هنا وجب التحذيرُ الذي يجب أن يصل إلى القيادات الجنوبية التي تتصدر المشهدَ اليوم بأوامر وصاية الرياض، وصارت تملك قرارَ تحريك القوات الجنوبية، بأن تكون مدركةً أن هذه القوةَ رصيدٌ وطني، وأن الحفاظ عليها ليس انسحابًا من مواجهة الأخطار، بل قرارٌ سياسيٌّ يحول دون تحويل دماء أبنائها إلى مكاسبَ تفاوضيةٍ للآخرين.
ولهذا، يجب أن يدرك الجنوبُ قيادةً وشعبًا أنه لا ينبغي لأي قوةٍ جنوبية أن تنخرط في معركةٍ خارج حدود الجنوب ما لم تكن قضيتُه ومطالبُ شعبِه جزءًا واضحًا من حسابات تلك المعركة ونتائجها، وما لم تقترن المشاركةُ بضماناتٍ سياسيةٍ تجعل الجنوبَ حاضرًا في أي تسويةٍ طرفًا ندًّا لا تابعًا، حاملًا مشروعَه السياسي وقوتَه الوطنية، لا مجردَ قوةٍ تقاتل بينما يقرر الآخرون مصيرَها.
وما دامت المليشيات الحوثية صارت سياستُها في اختبار الجبهات لكي تصنع لنفسها موقعًا في التسوية، فإنه ينبغي على قيادة القوات الجنوبية أن تختبرَ حساباتِ المعركة قبل أن تخوضها، وأن تحدد موقعَها في التسوية قبل أن تدفع ثمنَها في الميدان.
وقبل باب المندب، وقبل المعارك، وقبل الحسابات العسكرية كلها، يبقى السؤالُ الحاسم: هل تقاتل القواتُ الجنوبية لحماية مستقبل الجنوب، أم تُستدعى للقتال فيما يصنع الآخرون مستقبلَهم؟
زر الذهاب إلى الأعلى