تقـــارير

سقوط الأقنعة وانكشاف سياسة الكيل بمكيالين.. حين تُرفع البنادق في وجه الجنوب وتصمت أمام الحوثيين

سقوط الأقنعة وانكشاف سياسة الكيل بمكيالين.. حين تُرفع البنادق في وجه الجنوب وتصمت أمام الحوثيين

تتساقط تباعًا الأقنعة التي حاولت أطراف سياسية وعسكرية إخفاء ملامحها خلف شعارات السلام والاستقرار والشراكة، لتظهر أمام الرأي العام صورة أكثر وضوحًا لسياسة طالما أثارت غضب الشارع الجنوبي، عنوانها الأبرز: الكيل بمكيالين، والتعامل مع الأطراف اليمنية بمعايير مختلفة، بحسب موقعها ومصالحها وحجم القوة التي تمتلكها.

وفي خضم التطورات المتسارعة في حضرموت وعدن، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة: لماذا تُستخدم لغة القوة والتهديد والقمع عندما يتعلق الأمر بالشارع الجنوبي، بينما تتراجع هذه اللغة نفسها عندما يتعلق الأمر بالحوثيين والجبهات التي تخضع لسيطرتهم؟

هذا السؤال لم يعد مجرد طرح سياسي عابر، بل تحول إلى قضية رأي عام لدى قطاعات واسعة من الجنوبيين الذين يرون أن ما يجري يؤكد وجود نهج قائم على الضغط على الجنوب وقواه السياسية والعسكرية، بدلًا من معالجة جذور القضية الجنوبية والاعتراف بحقوق أبنائها ومطالبهم.

ويرى منتقدو هذا النهج أن الحديث المتكرر عن الحفاظ على مسار السلام وتجنب فتح جبهات جديدة مع الحوثيين لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لممارسة الضغوط على الجنوبيين أو التعامل معهم باعتبارهم الحلقة الأضعف في المعادلة.

فالسلام، بحسب هذا الطرح، لا يمكن أن يكون انتقائيًا، ولا يمكن أن يصبح غطاءً لممارسة القوة ضد طرف، بينما يُترك الطرف الآخر يمتلك زمام المبادرة العسكرية والسياسية دون ردع مماثل.

وفي حضرموت وعدن، تتزايد حالة الاحتقان الشعبي مع تصاعد الاتهامات الموجهة إلى السلطة باستخدام أدواتها الأمنية والعسكرية لفرض إجراءات يرى معارضوها أنها تستهدف التعبير السياسي الجنوبي وتضييق مساحة الحضور الشعبي للقضية الجنوبية.

ومن بين أكثر الملفات إثارة للجدل قضية التعامل مع الرموز والصور السياسية، وفي مقدمتها صور الرئيس عيدروس الزُبيدي، إذ يرى قطاع من الجنوبيين أن محاولة فرض إزالة الرموز والشعارات بالقوة لن تؤدي إلى إنهاء القناعة السياسية التي تقف خلفها، وإنما قد تدفعها إلى مزيد من الانتشار والتجذر في الشارع.

فالقضايا السياسية، كما أثبتت تجارب التاريخ، لا تُمحى بالأوامر الأمنية، ولا تختفي بإزالة صورة أو منع شعار، وإنما تُعالج بالحوار السياسي والاعتراف بالمظالم والبحث عن حلول عادلة ومستدامة.

وفي المقابل، تبرز المفارقة التي يكررها الشارع الجنوبي بشأن التعامل مع الحوثيين، حيث يرى منتقدون أن الجماعة تمتلك ترسانة صاروخية وطائرات مسيرة وقدرة على تهديد مناطق واسعة، ومع ذلك تبدو الحسابات السياسية والعسكرية تجاهها مختلفة تمامًا عن تلك المستخدمة في التعامل مع الاحتجاجات والقوى الجنوبية.

وهنا تتسع دائرة التساؤلات: هل أصبحت قوة السلاح معيارًا لتحديد من يُسمح له بالتصعيد ومن يُمنع؟ وهل بات الطرف الذي لا يمتلك الصواريخ والطائرات المسيرة هو الطرف الأسهل للضغط عليه؟

هذه الأسئلة تعكس جوهر حالة الغضب التي تتنامى في الشارع الجنوبي، خصوصًا لدى من يرون أن الجنوب وقواته وأبناءه قدموا تضحيات كبيرة خلال سنوات الحرب، وأن من غير المقبول، من وجهة نظرهم، أن تتحول تلك التضحيات إلى ورقة ضغط سياسية أو أمنية.

وفي هذا السياق، يذهب الخطاب الجنوبي المعارض إلى أن سياسة الضغط والإرهاب لن تؤدي إلى إنهاء المطالب السياسية، بل قد تأتي بنتائج عكسية، لأن القضايا المرتبطة بالهوية والأرض والحقوق لا يمكن حسمها بالقوة وحدها.

كما أن التعامل الأمني مع الاحتجاجات، إن ثبتت الانتهاكات أو الاستخدام المفرط للقوة، يفتح الباب أمام مزيد من الاحتقان ويعمق الفجوة بين الشارع والمؤسسات الرسمية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى معالجة سياسية شاملة بدلًا من توسيع دائرة الصراع الداخلي.

ويبقى السؤال الأكبر: إلى أين يمكن أن تقود سياسة الكيل بمكيالين؟

فاستقرار الجنوب لا يتحقق بإسكات الأصوات، ولا بإزالة الصور، ولا بالتهديد، كما أن السلام في اليمن لن يصبح أكثر قربًا إذا جرى التعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها ملفًا أمنيًا فقط.

إن أي مسار جاد نحو السلام والاستقرار يحتاج إلى- الاعتراف بتعدد القوى والمكونات على الأرض، واحترام حق المواطنين في التعبير السلمي، وفتح قنوات حوار حقيقية تبحث جذور الأزمة بدلًا من الاكتفاء بإدارة مظاهرها.

أما الدماء، فإنها لا ينبغي أن تتحول إلى أرقام عابرة في نشرات الأخبار. وأي انتهاكات أو تجاوزات بحق المدنيين والقوى السياسية والمحتجين يجب أن تخضع للتحقيق والمساءلة وفق القانون، بعيدًا عن الانتقام السياسي أو الحسابات المناطقية.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن القضايا الكبرى لا تسقط بسهولة، وأن محاولة فرض حلول بالقوة قد تؤجل الانفجار لكنها لا تنهي أسبابه.

ولهذا فإن الرسالة التي يوجهها الشارع الجنوبي اليوم واضحة: الحقوق السياسية لا تُنتزع بالصمت، والقضايا الوطنية لا تُمحى بالأوامر، والاستقرار الحقيقي لا يقوم على إخضاع طرف وإرضاء طرف آخر.

فالجنوب، في نظر أبنائه، ليس مجرد ورقة في صراع النفوذ، وليس مرتبًا شهريًا يمكن أن يُشترى به الولاء، وإنما قضية سياسية ومجتمعية يرى كثير من أبنائه أنها تستحق معالجة عادلة وشاملة.

ويبقى التاريخ هو الحكم الأخير على السياسات والمواقف؛ فمن اختار الحوار والعدالة واحترام إرادة الناس سيبقى حاضرًا في ذاكرة الأجيال، ومن اختار القوة والقمع والانحياز فلن يستطيع، مهما طال الزمن، إخفاء آثار قراراته.

وفي نهاية المطاف، فإن سقوط الأقنعة لا يعني بالضرورة نهاية الصراع، لكنه يكشف الحقائق أمام الناس، ويجعل كل طرف مطالبًا بالإجابة عن سؤال بسيط: هل يريد السلام القائم على العدالة والشراكة، أم يريد سلامًا يُفرض على الأضعف بينما تُترك القوى الأكثر تسليحًا خارج الحسابات؟

وهنا تحديدًا تتوحد ملامح المرحلة المقبلة، ويصبح احترام إرادة الشعوب، ورفض العنف ضد المدنيين، والاحتكام إلى الحوار والقانون، الطريق الوحيد القادر على تجنيب اليمن والجنوب مزيدًا من الدماء والانقسامات.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى