لم تعد مطالب استقلال الجنوب العربي واستعادة دولته كاملة السيادة مجرد شعارات سياسية أو مواقف عابرة تفرضها متغيرات المرحلة، بل باتت تمثل، وفق تطلعات قطاعات واسعة من أبناء الجنوب، قضية وطنية متجذرة ترتبط بالهوية والكرامة والإرادة الشعبية والحق في تقرير المصير، وسط تأكيدات متواصلة على أن مستقبل الجنوب يجب أن يحدده أبناؤه بإرادتهم الحرة، بعيداً عن الوصاية أو الإملاءات أو التسويات التي تتجاوز تطلعاتهم.
ومن أقصى المهرة شرقاً إلى باب المندب غرباً، مروراً بحضرموت وشبوة وأبين وعدن ولحج والضالع وسقطرى، تتجدد المطالب الجنوبية باستعادة الدولة وبناء كيان وطني مستقل يمتلك قراره السياسي والسيادي، ويبسط سلطته على كامل أرضه، ويدير موارده وثرواته ومؤسساته بعيداً عن أي تدخلات أو تبعية تنتقص من حقه في إدارة شؤونه الداخلية والخارجية.
وتكتسب هذه المطالب أهمية متزايدة في ظل التحولات السياسية والعسكرية التي تشهدها المنطقة، وما تفرضه من إعادة ترتيب للمواقف والتحالفات والحسابات الإقليمية والدولية. ففي الوقت الذي تتجه فيه أطراف عديدة نحو البحث عن تسويات سياسية للأزمة اليمنية، يبرز التساؤل الجوهري حول موقع القضية الجنوبية في أي تفاهمات قادمة، ومدى استعداد الأطراف المعنية للتعامل معها باعتبارها قضية سياسية ووطنية قائمة بذاتها، لا مجرد ملف ثانوي يمكن تجاوزه أو تأجيله.
ويرى الشارع الجنوبي أن أي عملية سياسية لا تضع حق شعب الجنوب في تقرير مصيره واستعادة دولته ضمن أولوياتها ستظل منقوصة، ولن تتمكن من صناعة سلام مستدام، لأن معالجة الأزمات لا يمكن أن تتحقق عبر تجاهل جذورها أو فرض حلول تتعارض مع إرادة أصحاب القضية. فالسلام الحقيقي، وفق هذا المنظور، يبدأ بالاعتراف بالحقوق والتطلعات الشعبية، واحترام خيارات الشعوب، والابتعاد عن سياسة فرض الأمر الواقع.
كما أن استعادة الدولة الجنوبية لا تقتصر على إعلان سياسي أو تغيير في شكل السلطة، بل تتطلب مشروعاً وطنياً متكاملاً يقوم على بناء مؤسسات قوية، وترسيخ سيادة القانون، وتوحيد القرار الأمني والعسكري، وحماية الثروات الوطنية، وإرساء نظام سياسي عادل يضمن مشاركة جميع أبناء الجنوب دون إقصاء أو تهميش، ويؤسس لدولة قادرة على توفير الأمن والاستقرار والتنمية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية وحدة الصف الجنوبي باعتبارها الركيزة الأساسية لحماية المكتسبات الوطنية وتعزيز الحضور السياسي للقضية الجنوبية. فالتحديات الداخلية والخارجية تستدعي تجاوز الخلافات وتغليب المصلحة الوطنية، والعمل على صياغة رؤية سياسية موحدة تعبّر عن تطلعات أبناء الجنوب بمختلف محافظاتهم ومكوناتهم الاجتماعية والسياسية.
ولا يمكن إغفال الأهمية الاستراتيجية التي يتمتع بها الجنوب العربي، بحكم موقعه الجغرافي المطل على ممرات بحرية حيوية، وامتلاكه موارد اقتصادية وثروات طبيعية ومقومات بشرية تؤهله لبناء مستقبل مستقر ومزدهر. وهي عوامل تجعل استقرار الجنوب وسيادته مصلحة تتجاوز حدوده الجغرافية، وترتبط بأمن الملاحة الدولية واستقرار المنطقة وحماية المصالح المشتركة.
وتبقى الرسالة الأبرز التي تتكرر في المواقف الجنوبية أن مستقبل الجنوب لا ينبغي أن يكون ورقة للمساومة في مفاوضات الآخرين، ولا أن تتحول حقوق أبنائه إلى تنازلات متبادلة بين القوى السياسية والإقليمية. فالقضية الجنوبية، في جوهرها، قضية شعب يتطلع إلى استعادة دولته وتحقيق تطلعاته الوطنية عبر مسار سياسي يضمن حقه في تقرير المصير، ويحترم إرادته وخياراته.
وبين تعقيدات المشهد السياسي وتعدد المبادرات والتفاهمات، يظل استقلال الجنوب العربي واستعادة دولته كاملة السيادة على أرضه وترابه الوطني مطلباً محورياً لدى قطاعات واسعة من أبنائه، الذين يرون أن أي مستقبل آمن ومستقر لا بد أن يقوم على الاعتراف بحقوقهم السياسية، وصون هويتهم الوطنية، وضمان مشاركتهم الحقيقية في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
إن الرسالة التي يحملها أبناء الجنوب من المهرة إلى باب المندب واضحة: لا سلام مستداماً دون معالجة عادلة للقضية الجنوبية، ولا استقرار حقيقياً دون احترام إرادة الشعب وحقه في اختيار مستقبله. فالدولة التي يتطلع إليها الجنوبيون ليست مجرد عنوان سياسي، بل مشروع وطن وسيادة ومؤسسات وأمن وتنمية، يطمحون من خلاله إلى بناء مستقبل يحفظ كرامة الأجيال القادمة ويصون حقها في العيش على أرضها بقرار وطني مستقل.
زر الذهاب إلى الأعلى