كتب/ بلعيد أبو الغيث
بعد أحداث حضرموت في يناير 2026 م يبدو أن السعودية راهنت على أن المال كفيل بإعادة تشكيل المشهد الجنوبي، وأن بضعة أشهر من الإنفاق السياسي تكفي لشراء الولاءات وصناعة مكونات تطعن الجنوب باسم الجنوب؛ وفق إرادة السعودية، لا إرادة أبناء الجنوب، بوجوه ترفع شعارات الولاء مقابل المال والامتيازات.
ولعلي أستطرد في هذا الرهان وأذكر مفارقة تثبت خطأ من يتوهم أن المال هو كل شيء وهي مفارقة تستحق التأمل فالشيء بالشيء يذكر؛ فالسعودية، التي أنفقت على مدى 6 عقود عقود من الزمن أموالاً طائلة لامتلاك أحدث منظومات السلاح الأمريكي، لم تجد في ذلك السلاح ضمانة كافية لحماية أمن السعودية أجوائها ومنشآتها من الهجمات الحوثية، واضطرتها التطورات الأخيرة إلى طلب مساندة دفاعية من باكستان وتركيا ومصر وأمريكا وإسرائيل و و و لحماية أمنها، فلم تجد من يستجب لذلك؛ والشاهد هنا إذا كان السلاح، مهما بلغت كلفته، لم يضمن الأمن للسعودية؛ لأنها — اللهم لا شماتة– تفتقد إلى الرجال الذين يقفون خلف تلك المنظومات، فكيف يُتصور السعودي أن يكون المال وحده قادراً على شراء ولاء وقبول شعب الجنوب أو صناعة شرعية سياسية جنوبية توالي السعودية، إذا كانت السعودية بما فعلته في حضرموت وقبل ذلك وبعده تفتقد للقبول لدى الشعب الجنوبي الجبار؟
فالواقع في هذه الحالة يثبت أن هناك فرق بين امتلاك أدوات النفوذ وامتلاك القبول، وبين تمويل المكونات، والحصول على تفويض الشعب؛ وشعب الجنوب نفسه قدّم هدية للسعودية كدرس عملي عن هذا الرهان كان ينبغي للسعودية أن تستفيد منه؛ وذلك حين خرج شعب الجنوب في حشود مليونية في 10يناير 2026م ، عقب ساعات من مراهنة اللجنة السعودية الخاصة على حل المجلس الانتقالي وتجاوز حضوره السياسي، بعد أن قصفت قواته ولاحق رئيسه ووضعت وفده تحت الإقامة وحلقت بطائراتها الحربية ومسيراتها فوق مناطق نفوذه؛ لم تكن تلك الحشود تجمعات كأي حشود، بل كانت درساً وموقفاً شعبياً يحمل دلالة، أن الجنوب ليس ساحة يمكن للسعودية إعادة ترتيبها بالعنجهية والشطحات، فكانت الهتافات الرافضة للوصاية، ومنها «يا سعودي يا كذاب أنت الداعم للإرهاب»، رسالة رفض لمن يحاول مصادرة القرار الجنوبي؛ لكن السعودية لم تستفد من تلك الرسالة؛ فاستمرت في محاولات إعادة تشكيل المشهد؛ إذ استمرت مساعيها في تفكيك القوات الجنوبية وفتح قناة بديلة لقناة عدن المستقلة و تفريخ المكونات وإغلاق المقرات، ودعم المجالس المعارضة للانتقالي وإشهار كيانات تحمل أسماء جنوبية ووطنية كبيرة، متوهمة أن إطلاق اسم على مجلس أو عقد مؤتمر لإعلانه يكفي لمنحه حق الحديث باسم الشعب؛ متجاهلة أن التمثيل لا تصنعه البيانات ولا المؤتمرات؛ وإنما يصنعه الحضور بين الناس، والقدرة على التعبير عن تطلعاتهم، واستقلال القرار عن الجهة الراعية وهذا ما أثبتته الأيام فبقيت اللجنة السعودية الخاصة بعد 10 أشهر حبيسة أحلامها في دفن قضية الجنوب؛ فأقصى ما تستطيع فعله بالمال والنفوذ تسيير حملة ليلية بالمدرعات والأطقم وعشرات الجنود الملثمين؛ لإنزال صورة من الشارع في ظلام الليل سرعان مايقوم أبناء الجنوب بإعادتها في وضح النهار؛ وهكذا يبقى الرهان السعودي على تدجين الجنوب مغامرة مع شعب أثبت أن إرادته عصية على الشراء والإخضاع، وإن صناعة ولاءات مصطنعة وتغيير قناعات شعب متجذر الأيمان بقضيته قد يحتاجان إلى سنوات طويلة أطول من سنوات بقاء النفوذ السعودي في الجنوب؛ بل قد يكون أطول من بقاء أسرة آل سعود على الخارطة السياسة للأفليم، فقد ينحسر ذلك النفوذ وتتغير موازين المنطقة، بينما يظل الجنوب متمسكاً بحقه في تقرير مصيره؛ فليس من الحكمة أن يظن أحد أن شعباً يمكن تطويعه لمجرد أن المال حاضر والنفوذ قائم؛ فالشعوب لا تُدجّن على مقاس رغبات أصحاب المال والنفوذ؛ وهنا أود أن يكون موقفي واضحاً فلست مصراً أن يكون المجلس الانتقالي أو غيره هو من يحتكر تمثيل الجنوب، بل أن حق الاختيار نفسه يجب ألا يُنتزع من الجنوبيين، لا لمصلحة المجلس الانتقالي ولا لمصلحة أي مكون آخر ولا لمصلحة أي دولة٠
فمن حق السعودية أن تكون لها مصالحها وحساباتها، وأن تتحاور مع من تشاء، لكن ليس من حقها أو حق أي دولة أخرى أن تقرر نيابة عن الجنوبيين من يمثلهم، أو تمنح صفة التمثيل لمن يوافق توجهاتها وتحجبها عمن يختلف معها لأنه يقول لا٠
قد يستطيع المال شراء مواقف أفراد وصناعة حضور إعلامي، لكنه لا يشتري ولاء شعب، ولا يمحو قضيته، ولا يمنح تفويضاً لم يصدر عنه، ومن يظن أنه يستطيع صناعة قيادة مدجنة للجنوب ثم مطالبة الناس بالالتفاف حولها، يخلط بين النفوذ والشرعية، وبين الرعاية والوصاية.
الجنوب ليس بضاعة لمن يدفع أكثر، وأبناء الجنوب ليسوا بضاعة في سوق الولاءت ؛ فمن أراد أن يكون شريكاً لنا فليحترم حقنا في اختيار ممثلينا وليترك لنا وحدنا حق تقرير مستقبل وطننا٠
زر الذهاب إلى الأعلى