مقالات وتحليلات

اللي بوادينا شلّه السيل

اللي بوادينا شلّه السيل

كتب/ فضل صالح

▪️مع الاعتذار للفنان والشاعر الكبير الراحل أبوبكر سالم بلفقيه رحمه الله.. لم يكن أحد في حضرموت يتوقّع أن يتغيّر المشهد بهذه السرعة، وأن يتحوّل الوادي، بثقله وتاريخه وامتداده، إلى مسرح مفتوح لاندفاع يشبه اندفاع السيل في مواسم الخير.

لكن السيل هذه المرّة لم يكن ماءً يهبط من رؤوس الجبال، بل قوة بشرية جنوبية منسجمة مع الأرض، تعرف تضاريسها، وتحمل يقينًا لا يتزعزع بأن الوقت قد حان ليعود الوادي إلى أهله.

كان الناس يتابعون التفاصيل كما لو أنهم يسمعون تلك الأغنية القديمة للفنان والشاعر الكبير الراحل أبو بكر سالم بلفقيه “اللي بوادينا شلّه السيل” لكنهم هذه المرة لم يكتفوا بالاستماع، كانوا يرون النظير الواقعي للّحن، ويرون الوادي نفسه يتغيّر كما تتغيّر ضفاف الأرض حين يمر عليها سيل لم تستطع الحواجز إيقافه.

لم تكن الأيام التي سبقت التحوّل سوى ما يشبه الهدوء المرهق، وهدوء يعرف الجميع لأنه لا يدوم. وحين اندفعت قوات النخبة الحضرمية والمقاومة الجنوبية نحو الوادي، كان الشعور العام أقرب إلى انكشاف الصباح على وادٍ طال ليله. تمامًا كما تقول الأغنية “كلام الليل يا محبوب يمحيه النهار”

فبعد سنوات من الضبابية، والادعاءات والتشويش الذي نشره وما زال ينشره بعض إعلاميي الأخوان على وسائل التواصل الاجتماعي، جاء النهار في حضرموت ليمحو كل ما بناه الظلام، ولتستعيد الأرض سيادتها. كان ليل الاحتلال محاه نهار انتصار الحق واستعادة الوادي من يد القوات الغاصبة، ليظهر بوضوح أن الإرادة الجنوبية لا تُقهر، وأن حضرموت لا تقاد إلا بأهلها.

تحرّكت القوة بخطوات محسوبة، ووراء كل خطوة قيادة حكيمة، وذاكرة ممتلئة بأحلام مؤجلة، ووجوه انتظرت، وشباب أرادوا لواديهم أن يكون كما يليق به. وبدا أن كل حجر في الطريق يعرف فصلا جديدا يُكتب، وأن الوادي الذي عرف طويلا معنى الترقّب، سيعرف أخيرا معنى الحسم.

لم يكن الحدث مجرّد انتقال عسكري، ولا مجرّد تبدّل في خارطة السيطرة، بل كان لحظة وعي جماعية تُعيد ترتيب العلاقة بين الأرض ومن يحرسها. لحظة شعر فيها أبناء الوادي بأنهم أقرب إلى صوتهم، وإلى قرارهم، وإلى تلك البساطة الأولى التي عرفوها قبل ازدحام السنوات.

ومثلما تُعيد السيول رسم تضاريس البلاد، أعاد هذا “السيل البشري” رسم صورة الوادي في المخيال العام: 

واد يستعيد مكانه، ويستعيد أمنه، ويستعيد جزءًا من روح حضرموت التي لم تخذل أبناءها يومًا.

وهكذا أصبح العنوان القديم للأغنية وصفًا ملائمّا للحظة السياسية والأمنية الراهنة إللي بوادينا شلّه السيل…

لكن الفارق أن السيل هذه المرّة لم يذهب بما هو عزيز، بل جاء ليضع الوادي في مساره الذي انتظره الناس طويلًا، وليفتح بابّا كان مغلقّا. وليقول بوضوح “إن حضرموت – مثل الجنوب كله- تعرف دائمًا كيف تنهض حين يحين أوان النهوض”

إللي بوادينا شلّه السيل…!

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى