كتب/ فضل صالح
يمثل ميناء عدن مرفقًا مدنيًا سياديًا ذا أهمية استراتيجية وإنسانية بالغة، تتجاوز أبعاده كونه منفذًا اقتصاديًا إلى كونه شريانًا رئيسيًا لحياة السكان، ومكوّنًا أساسيًا من مكوّنات الأمن الإنساني في الجنوب. ومن هذا المنطلق، فإن أي إجراءات تؤدي إلى تقييد أو تعطيل دخول السفن إلى الميناء تثير إشكاليات سياسية وحقوقية متداخلة، تستوجب قراءة أكثر صرامة في المضمون، وأكثر اتزانًا في الخطاب.
سياسيًا، لا يمكن فصل عمل ميناء عدن عن السياق الإقليمي العام، ولا عن التعقيدات الأمنية المرتبطة بالملاحة الدولية. غير أن إدارة هذه الاعتبارات تظل خاضعة لمسؤوليات واضحة، أبرزها عدم تحويل المرافق المدنية إلى أدوات ضغط سياسي، أو وسائل إدارة صراع غير مباشر. فالدولة أو الجهة المؤثرة إقليميًا، حين تتخذ إجراءات تمس منفذًا حيويًا، تكون مطالبة بتقديم تبرير شفاف، وتحديد سقف زمني واضح، وتوضيح الأساس القانوني لتلك الإجراءات، تفاديًا لتحوّلها إلى مصدر اضطراب سياسي واحتقان شعبي.
إن غياب التوضيح الرسمي، أو تأخره، يفتح المجال لتآكل الثقة، ويعزز الشعور بأن القرارات المصيرية المتعلقة بحياة الناس تُتخذ خارج إطار الشراكة والمسؤولية المشتركة. وهو ما يضعف الاستقرار، ويقوّض أي خطاب سياسي يتحدث عن دعم الأمن والتنمية في الجنوب.
حقوقيًا، تُعد حرية تدفق الغذاء والدواء والمواد الأساسية من الحقوق المكفولة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، لا سيما في البيئات الهشّة أو الخارجة من نزاع. وتؤكد هذه القوانين على مبدأ تحييد المرافق المدنية، وعلى عدم جواز اتخاذ إجراءات من شأنها تعريض السكان المدنيين لخطر الحرمان أو التجويع أو انهيار الخدمات الصحية.
ولا يتطلب توصيف الانتهاك الحقوقي إثبات نية مسبقة، بقدر ما يستند إلى النتائج الواقعية المترتبة على القرار. فإذا أدى تعطيل دخول السفن إلى اضطراب الإمدادات، وارتفاع أسعار الغذاء والدواء، وتراجع القدرة على الحصول على العلاج، فإن المسؤولية الحقوقية تصبح قائمة، بغض النظر عن الدوافع المعلنة.
وفي هذا الإطار، تبرز مسؤولية الأطراف الإقليمية بوصفها مسؤولية مضاعفة، سياسية وأخلاقية وقانونية، بحكم التأثير المباشر على المنافذ الحيوية. كما تقع على المجتمع الدولي، وفي مقدمته الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، مسؤولية المتابعة والتقصي، والتعامل مع أي قيود على الموانئ المدنية باعتبارها مسألة حقوق إنسان لا شأنًا إداريًا داخليًا.
إن الحفاظ على عمل ميناء عدن بصورة طبيعية لا يخدم الجنوب وحده، بل يخدم الاستقرار الإقليمي، ويمنع تحوّل الأزمات السياسية إلى كوارث إنسانية. ومن هنا، فإن المقاربة الرشيدة تقتضي الفصل الواضح بين الاعتبارات الأمنية المشروعة، وبين الحقوق غير القابلة للتعطيل، وفي مقدمتها حق المدنيين في الحياة والكرامة.
خلاصة القول، إن ميناء عدن ليس ورقة تفاوض، ولا ساحة اختبار للنفوذ، بل مرفق مدني محمي بموجب القانون الدولي، وأي مساس بدوره الحيوي يستدعي مراجعة فورية، ومعالجة سياسية مسؤولة، تضع الإنسان في صدارة القرار، وتحفظ الاستقرار، وتجنب المنطقة تداعيات لا يمكن احتواؤها لاحقًا.
زر الذهاب إلى الأعلى