صوت الضالع / عين الجنوب:
في التجارب الوطنية الكبرى، لا تُقاس القيادة بعدد الخطب ولا بارتفاع نبرة الشعارات، بل بقدرتها على جمع ما تفرّق، وصناعة المعنى من قلب المعاناة. هكذا تشكّلت تجربة الرئيس عيدروس الزبيدي، بوصفه قائدًا نجح في توحيد الأرض والإنسان الجنوبي، في مرحلة كان فيها الانقسام أخطر من الخصوم، والتشظي أشد فتكًا من أي معركة مفتوحة.
تسلّم الزبيدي زمام المسؤولية في لحظة تاريخية معقّدة، جنوبٌ مثقل بالجراح، وجغرافيا أنهكتها الصراعات، ونسيج اجتماعي حاولت قوى عديدة تمزيقه على أسس سياسية ومناطقية. في هذا الواقع، لم يكن التحدي عسكريًا أو سياسيًا فحسب، بل كان تحدي إعادة بناء الثقة بين الجنوبي وأرضه، وبين الإنسان وقضيته. من هنا، انطلق المشروع بهدوء، واضعًا وحدة الإنسان قبل وحدة الجغرافيا، باعتبارهما وجهين لمعركة واحدة.
لم يتعامل الزبيدي مع الجنوب كمساحات نفوذ، بل كوطنٍ واحدٍ يتّسع لجميع أبنائه. عمل على تجاوز رواسب الماضي، وفتح مساحات التلاقي بدل تعميق الانقسام، فكانت الخطوة الأهم هي إعادة تعريف الهدف المشترك: استعادة القرار الجنوبي الحر، وحماية الأرض بوحدة الصف لا بتعدد الولاءات. ومع كل خطوة ميدانية، كان الوعي الجمعي الجنوبي يستعيد تماسكه، وتتحوّل القضية من همّ نخبة إلى قضية شعب بأكمله.
وحدة الأرض لم تكن ممكنة دون وحدة الإنسان. لهذا، ارتكزت التجربة على الحضور الدائم بين الناس، والاستماع لهمومهم، وتحويل الشارع الجنوبي إلى شريكٍ في القرار لا مجرد متلقٍ له. بهذا النهج، تشكّلت علاقة جديدة بين القيادة والقاعدة الشعبية، علاقة قائمة على الثقة المتبادلة، لا على الأوامر أو الخطابات. فحين يشعر الإنسان أنه جزء من المشروع، تصبح الأرض أكثر صلابة، والانتماء أكثر رسوخًا.
واجهت هذه المسيرة محاولات إرباك وتشويه، ورهانات على تفكيك الداخل، إلا أن الواقع كان أقوى من الحملات. فكلما اشتد الضغط، ازداد التلاحم، وكلما راهن الخصوم على الخلاف، جاءت الوقائع لتؤكد أن الجنوب بات أكثر وعيًا بقضيته، وأكثر التفافًا حول قيادته. لم يكن ذلك نتيجة خطاب تعبوي، بل ثمرة مسار طويل من العمل الصامت، والقرارات المحسوبة، والتمسّك بثوابت لا تقبل المساومة.
اليوم، يُنظر إلى الرئيس عيدروس الزبيدي كعنوانٍ لمرحلة أعادت للجنوب توازنه. مرحلة وحّدت الأرض بالإنسان، وربطت الجغرافيا بالإرادة الشعبية، وجعلت من القضية الجنوبية مشروعًا حيًا يتحرك في الواقع، لا مجرد سردية سياسية. إنها تجربة قيادة أثبتت أن الفعل، حين يكون صادقًا، يغني عن الكلام، وأن وحدة الأرض لا تُصان إلا بوحدة الإنسان الجنوبي أولًا.
زر الذهاب إلى الأعلى