بقلم / مايكل روبن
مرصد منتدئ الشرق الأوسط/ واشنطن
في الثاني من يوليو/تموز 1979، اعتلى الرئيس العراقي صدام حسين منصة الخطابة أمام جمهور من كبار أعضاء حزب البعث. كان المسؤولون العراقيون قد حضروا الاجتماع على أساس أنه لقاء اعتيادي لمناقشة شؤون الحزب، لكنه لم يكن كذلك على الإطلاق. فبقصد ترسيخ سلطته وسحق أي معارضة، حقيقية كانت أم متخيلة، أعلن صدام أنه كشف مؤامرة تستهدفه وتستهدف أجندته، يقف وراءها أشخاص يجلسون أمامه في القاعة نفسها. ثم شرع في تلاوة أسماء ثمانيةٍ وستين مسؤولاً كان قد حسم مسبقاً مصيرهم بالتعذيب والإعدام.
لم يختلف المؤتمر السعودي الأخير لليمنيين كثيراً عن ذلك المشهد. فعلى الرغم من أن رشاد العليمي، وزير الداخلية اليمني السابق في عهد دكتاتورية علي عبد الله صالح، هو من دعا إلى الاجتماع نظرياً، الا أنه لا يعدو كونه حاكماً على شاكلة “حكومة فيشي الفاشية في فرنسا”. إذ إن مصدر شرعيته الوحيد هو تعيينه من قبل المملكة العربية السعودية، كما أنه يقيم في الرياض لا في اليمن.
أثار تقدم قوات عيدروس الزبيدي إلى محافظتي حضرموت والمهرة غضب السعوديين، إذ كانت هاتان المنطقتان، في السابق، بيئة متساهلة مع تهريب السلاح وتسلل الجماعات الإرهابية.
وبفعل التغيرات المتسارعة على الأرض، أمرت السلطات السعودية العليمي بالدعوة إلى الاجتماع. ففي تلك المرحلة، لم تكن هناك سوى قوتين قادرتين فعلياً على إدارة الأراضي ومكافحة تهريب السلاح والإرهاب: المجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة عيدروس الزبيدي ومقره عدن، وقوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح ومقرها المخا. وكان استياء الرياض نابعاً من تمدد قوات الزبيدي في حضرموت والمهرة، حيث أسهم تداخل الولاءات القبلية المحلية، إلى جانب التنظيم الإخواني المدعوم سعودياً، في تسهيل مسارات تهريب السلاح وتغلغل الإرهاب. وفيما ظل ميناء الحديدة على البحر الأحمر المنفذ الرئيس لإمدادات الحوثيين، كانت جماعة الإخوان وبعض القبائل في حضرموت تمد مأرب بالسلاح عبر طرق تهريب تقليدية، فيما تواصلت محاولات الحوثيين المستمرة للسيطرة على حقول النفط هناك.
وكما هو الحال في السودان وليبيا وسوريا، يبدو أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أقل انشغالاً بالوقائع الميدانية، وأكثر تركيزاً على تنافسه مع رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد. فهو يفضل، على ما يبدو، أن يبقى اليمن بؤرة للفشل والإرهاب، على أن يرى أي قوة مدعومة من الإمارات تتفوق على أدواته الخاصة، بغضّ النظر عن حقيقة أن أبوظبي ترعى قوى متجذرة في الواقع المحلي وقادرة على الحكم، بينما تخلّف السعودية وراءها كيانات موجودة على الورق أكثر مما هي فاعلة على الأرض.
وعندما وصل أعضاء المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الاجتماع، صادرت السلطات السعودية هواتفهم، واعتدت بالضرب على عدد منهم، وطالبتهم بالموافقة على حلّ تنظيمهم. وتحت الإكراه، وافق الحاضرون، في حين رفض الأعضاء الذين لم يشاركوا في مؤتمر “التشاور” السعودي هذا النوع من دبلوماسية “المسدس المصوّب إلى الرأس”. انهم يخشون أن يتكرر سيناريو احتجاز وتعذيب خصوم محمد بن سلمان في فندق “ريتز كارلتون” بالرياض، أو حتى مشهد مؤتمر البعث عام 1979.
وفي الوقت الذي تحتفي فيه السلطات السعودية بما تعتبره انتصاراً، وتسخر الجيوش الإلكترونية الممولة سعودياً من الجنوبيين ومن دولة الإمارات، وربما، من خلف الكواليس، تحظى هذه السياسات بتشجيع من وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الخارجية البريطانية ووزارة الخارجية العُمانية، تسعى الرياض عملياً إلى بناء سياسة تتجاهل حقائق اليمن. ويبدو أن محمد بن سلمان وفريقه لا يدركون أن ناطحة سحاب تُبنى على أسس نخرتها الأرضة لا بد أن تنهار.
خرج الجنوبيون في تظاهرات احتجاجاً على السعودية، وقوات “درع الوطن” التابعة لها، وعلى جماعة الإخوان المسلمين التي بات محمد بن سلمان يروّج لها.
وفي نفس الوقت سيطرت قوات “درع الوطن”، الممولة والمدربة سعودياً، على المكلا، وتولت إدارة مطار سقطرى، ودخلت عدن على وقع غارات نفذتها طائرات يقودها طيارون سعوديون، وبمساندة مروحيات سعودية. وربما توقعت هذه القوات استقبالاً بطولياً، لكن ذلك لم يحدث. إذ خرج الجنوبيون في مسيرات احتجاجية، رافعين علم الجنوب، ومرددين هتافات مؤيدة للزبيدي، الذي يُعتقد أنه غادر عبر أرض الصومال ثم الصومال إلى دولة الإمارات.
ولعل “خطيئة” الزبيدي في نظر السعودية كانت دعوته إلى استفتاء شعبي يخضع لإشراف دولي لتحديد مستقبل جنوب اليمن. فالسعوديون، على غرار وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الخارجية البريطانية، يكررون شعار “فوائد الوحدة اليمنية” كتعويذة سياسية، رغم أن الوقائع تشير إلى أن ضم الجنوب قسراً كان مصدراً دائماً لعدم الاستقرار.
لقد ظلّت عدن وجنوب اليمن عموماً منفصلين عن صنعاء والداخل اليمني لما يقرب من قرنين. ولم يحدث الاندماج بين الشمال والجنوب إلا في عام 1990. وكانت تلك، بحسب الوصف، “زيجة جحيمية”، سعى قادة الجنوب إلى إنهائها عام 1994، ما أدى إلى حرب أهلية قصيرة انتهت بإجبار الجنوب على البقاء في اتحاد غير مرغوب فيه. وحتى الشماليون أقرّوا بذلك. ففي أول زيارة لي إلى اليمن عام 1995، كانت المدافع المضادة للطائرات وقطع المدفعية لا تزال موجهة نحو الجنوب. وعندما سألت اليمنيين عن السبب، أجابوا: “لماذا ننقلها ونحن سنحتاجها مجدداً؟”. ومع ذلك، لم يوقف نفي قادة الجنوب قسراً إصرارهم المستميت لاستعادة دولتهم. وحين أسهم العجز السعودي في صعود الحوثيين وسيطرتهم على صنعاء، كانت قوات الزبيدي الجنوبية هي من حررت عدن من الحوثيين ومن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.
للتاريخ والثقافة وزنٌ لا يمكن تجاهله. فالإمامة، سلف الحوثيين اليوم، سيطرت تاريخياً على الداخل اليمني، بينما عمل البريطانيون على تحديث الجنوب ودمجه بالعالم الغربي. كما أسهمت التجارة والسفر في انفتاح الجنوب، وهو نمط شائع في المنطقة: فجدة أكثر تسامحاً من الرياض، والبصرة أكثر انفتاحاً من بغداد، والإسكندرية كانت أكثر ارتباطاً بالغرب من القاهرة قبل حملة نابليون، وينطبق الأمر ذاته على دبي وأبوظبي والدوحة ومسقط والمنامة.
ويتجلى هذا النمط في جنوب اليمن بصورة أكثر حدة. ففي حين يسعى الحوثيون والسعوديون إلى قمع التنوع المذهبي، يتحدث الجنوبيون علناً عن مملكة حمير اليهودية السابقة للإسلام، التي تداخلت أراضيها مع جنوب اليمن. ويصف بعض الجنوبيين أنفسهم بأنهم هنود، إذ هاجروا إلى الجنوب خلال الحقبة البريطانية وبقوا فيه.
ورغم أن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، المدعومة سوفياتياً، عزلت الجنوب عن العالم وعن شمال اليمن، فإنها تركت بصمة عميقة في ثقافته. فقد عزز النظام الماركسي آنذاك التعليم وحقوق المرأة، ولم يقضِ على البنية القبلية، لكنه قلّل من مركزيتها. واليوم، بات شمال اليمن وجنوبه دولتين مختلفتين جذرياً برؤيتين متناقضتين لا يمكن التوفيق بينهما. وإذا كانت عقود من التطور السياسي لم تمحُ هذا الاختلاف، فإن انقلاب محمد بن سلمان لن يفعل ذلك. بل إن محاولات علي عبد الله صالح وغيرها لقمع الجنوب لم تؤدِ إلا إلى ترسيخ الهوية الجنوبية.
إن المطالب الجنوبية لم تكن بالضرورة معادية للمصالح السعودية، إلا إذا كان محمد بن سلمان يقرّ ضمناً بأن السيطرة السعودية على مناطق كانت مستقلة سابقاً، مثل الحجاز، أقل متانة مما تبدو عليه.
غير أن اليمن لا ينبغي أن يدفع ثمن هواجس السعودية الخاصة. فعندما انسحب البريطانيون، سعوا إلى ترك “اتحاد الجنوب العربي” إطاراً جامعاً لمجموعة من الإمارات والمشيخات، على غرار اتحاد الإمارات العربية المتحدة. ومع استمرار مطالبة حضرموت بالحكم الذاتي، ورفض عدن للهيمنة السعودية، يظل نموذج “الجنوب العربي” هو الصيغة الوحيدة القادرة على إعادة تركيب ما تحطم. ويبقى السؤال الوحيد: كم من اليمنيين والسعوديين يجب أن يسقطوا قبل أن يدرك محمد بن سلمان هذه الحقيقة؟
زر الذهاب إلى الأعلى