يتصاعد الجدل السياسي في الجنوب مع استمرار محاولات بعض القوى تصوير التباينات الجنوبية على أنها انهيار كامل لحالة التوافق الشعبي حول القضية الجنوبية، في وقت يرى فيه كثير من المتابعين أن ما يجري لا يتجاوز حدود الاختلافات السياسية الطبيعية المرتبطة بوسائل إدارة المرحلة وأدوات تحقيق الأهداف، وليس خلافًا على جوهر الهوية الوطنية الجنوبية أو مستقبل المشروع السياسي الذي بات حاضرًا بقوة في وعي الشارع.
وخلال السنوات الماضية، تحولت القضية الجنوبية من مجرد مطلب سياسي تتبناه نخب محدودة إلى حالة شعبية واسعة فرضت نفسها على المشهد الإقليمي والدولي، وهو ما جعل أي نقاش حول مستقبل الجنوب مرتبطًا مباشرة بإرادة الناس في الشارع، لا بما تنتجه الغرف المغلقة أو التفاهمات المؤقتة بين القوى السياسية. ويرى مراقبون أن محاولات اختزال المشهد الجنوبي في خلافات بين مكونات أو شخصيات سياسية تتجاهل حقيقة أن المزاج الشعبي العام ما يزال يتمسك بثوابته الأساسية، وفي مقدمتها حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم وإدارة مستقبلهم بعيدًا عن الوصاية أو الهيمنة.
وفي مقابل التركيز الإعلامي على التباينات الجنوبية، يلفت متابعون إلى أن القوى المقابلة تعيش حالة انقسام أكثر تعقيدًا وتشابكًا، سواء على المستوى السياسي أو القبلي أو المذهبي، إلا أن هذا الواقع غالبًا ما يتم تجاهله لصالح تضخيم أي خلاف جنوبي وإظهاره وكأنه أزمة وجودية. ويؤكد محللون أن الجنوب، رغم تنوع مكوناته السياسية والاجتماعية، ما يزال يحتفظ بقاسم مشترك واسع يتمثل في الهوية الجنوبية الجامعة، وهو ما يفسر استمرار الحضور الشعبي للقضية في مختلف المحافظات.
ويرى مراقبون أن جوهر الأزمة لا يتعلق بوجود اختلافات سياسية، فذلك أمر طبيعي في أي مجتمع حي، بل يتعلق بمحاولات بعض الأطراف احتكار تمثيل الجنوب أو فرض رؤى سياسية بعيدًا عن الإرادة الشعبية المباشرة. ولهذا تتزايد الأصوات المطالبة بأن يكون الاحتكام الحقيقي للشعب عبر أدوات واضحة وشفافة تعكس خيارات الناس بصورة مباشرة، بدلًا من إعادة إنتاج صفقات سياسية مغلقة تُدار بعيدًا عن الشارع.
ويشير متابعون إلى أن الشارع الجنوبي أصبح أكثر وعيًا تجاه محاولات توظيف مفهوم “التوافق” كأداة لتعطيل أي استحقاق شعبي أو لإعادة تدوير قوى فقدت حضورها الجماهيري، مؤكدين أن أي مشروع سياسي لا يستند إلى قاعدة شعبية حقيقية سيظل عاجزًا عن فرض نفسه مهما حظي بدعم سياسي أو إقليمي. كما أن التحولات التي شهدها الجنوب خلال الأعوام الأخيرة أسهمت في تعزيز قناعة واسعة بأن مستقبل القضية لا يمكن أن تحدده تفاهمات النخب وحدها، بل الإرادة العامة التي تشكلت عبر سنوات طويلة من الصراع والتضحيات.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو المعادلة السياسية في الجنوب أكثر ارتباطًا بالشارع من أي وقت مضى، حيث باتت الجماهير تنظر إلى نفسها باعتبارها صاحبة القرار النهائي في القضايا المصيرية، لا مجرد متلقٍ لنتائج التسويات السياسية. وهو ما يضع مختلف القوى أمام اختبار حقيقي يتمثل في قدرتها على مخاطبة الناس ببرامج واقعية ورؤى واضحة، بدلًا من الاعتماد على التحالفات المؤقتة أو محاولات فرض الأمر الواقع عبر التفاهمات المغلقة.
ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصاعدًا أكبر للنقاشات المرتبطة بآليات التعبير عن الإرادة الشعبية، خاصة مع تنامي الدعوات التي تؤكد أن أي حل سياسي مستقبلي لن يكون قابلًا للاستمرار ما لم يستند إلى قبول شعبي واسع. وفي هذا السياق، تتعزز القناعة لدى قطاعات واسعة من الجنوبيين بأن الحسم الحقيقي لأي خلاف سياسي يجب أن يتم عبر الناس أنفسهم، باعتبارهم المصدر الأساسي للشرعية وصناع القرار الحقيقيين في مستقبل الجنوب.
من عين الجنوب
زر الذهاب إلى الأعلى