صوت الضالع / وكالة ستيب
في واحدة من أكبر موجات الحشد الشعبي التي شهدتها محافظات جنوب اليمن خلال الأشهر الأخيرة، خرجت عشرات الآلاف من الجماهير في عدن وأبين والضالع ولحج وشبوة وسقطرى، دعماً لـ المجلس الانتقالي الجنوبي، وتجديداً للتفويض الشعبي لرئيسه عيدروس الزبيدي، بالتزامن مع الذكرى التاسعة لتأسيس المجلس، في مشهد حمل أبعاداً سياسية تتجاوز حدود الاحتفال الرمزي، ليعكس حجم الحضور الشعبي الذي ما تزال تتمتع به القضية الجنوبية في المشهد اليمني والإقليمي.
وامتلأت الساحات الرئيسية في المدن الجنوبية بأعلام الجنوب وصور قيادات المجلس الانتقالي، فيما ردد المحتجون شعارات تؤكد التمسك بمشروع استعادة “الدولة الجنوبية”، ورفض أي تسويات سياسية لا تتضمن الاعتراف بالقضية الجنوبية باعتبارها قضية سياسية مستقلة ذات مسار تفاوضي خاص.
وبدا واضحاً أن التحركات الجماهيرية الأخيرة لم تكن مجرد فعالية شعبية عابرة، بل رسالة سياسية مباشرة موجهة إلى الداخل اليمني والأطراف الإقليمية والدولية، مفادها أن الجنوب لا يزال يمتلك ثقله الشعبي والسياسي، وأن المجلس الانتقالي الجنوبي ما يزال يمثل، بالنسبة لقطاع واسع من الجنوبيين، الإطار السياسي الأبرز الحامل لمطالبهم الوطنية.
وتأتي هذه التظاهرات في مرحلة شديدة الحساسية تمر بها الساحة اليمنية، خصوصاً بعد التطورات التي شهدها الجنوب منذ مطلع عام 2026، عقب الإعلان السياسي والدستوري الذي أصدره المجلس الانتقالي في الثاني من يناير، والذي اعتبره المجلس خطوة تأسيسية في مسار استعادة الدولة الجنوبية على حدود ما قبل عام 1990.
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي والاستراتيجي مبارك الجبواني، في تصريحات خاصة لوكالة ستيب نيوز، إن “خروج الجماهير في عموم محافظات الجنوب دعماً للمجلس الانتقالي الجنوبي وتجديداً لتفويض الرئيس عيدروس الزبيدي في الذكرى التاسعة لتأسيس المجلس، يؤكد الشرعية الجنوبية ورفض أي مشاريع تُفرض بالقوة على شعب الجنوب”.
وأضاف الجبواني أن الحشود الشعبية التي شهدتها المدن الجنوبية تعكس تمسك الجنوبيين بالمشروع السياسي الذي يتبناه المجلس الانتقالي، موضحاً أن “مطلب شعب الجنوب يتمثل في استعادة دولته كاملة السيادة على حدود ما قبل عام 1990″، لافتاً إلى أن قطاعات واسعة من الجنوبيين رأت في المجلس الانتقالي الجهة التي تمكنت من ترجمة هذا الهدف سياسياً عبر “إعلان البيان السياسي والإعلان الدستوري لدولة الجنوب العربي في 2 يناير 2026”.
ومنذ تأسيس المجلس الانتقالي عام 2017، استطاع المجلس، وفق مراقبين، الانتقال تدريجياً من إطار سياسي ناشئ إلى فاعل رئيسي في معادلة الجنوب، مستفيداً من التحولات العسكرية والسياسية التي شهدتها البلاد خلال سنوات الحرب، إلى جانب اعتماده على قاعدة شعبية واسعة في المحافظات الجنوبية.
وخلال السنوات الماضية، عمل المجلس على تعزيز حضوره السياسي خارجياً، عبر بناء شبكة علاقات واتصالات دبلوماسية مع أطراف إقليمية ودولية، في محاولة لنقل القضية الجنوبية من الإطار المحلي إلى فضاء النقاشات الدولية المرتبطة بمستقبل اليمن.
وفي هذا الإطار، أكد الجبواني أن المجلس “عمل منذ تأسيسه سياسياً ودبلوماسياً على إيصال قضية شعب الجنوب إلى المحافل الدولية”، مضيفاً أن هذا النشاط “حقق حضوراً واسعاً عزز من تمسك الشعب بالمجلس”.
وأشار إلى أن التحركات الخارجية للمجلس لا تزال مستمرة بوتيرة متصاعدة، موضحاً أن “ممثل الرئيس للشؤون الخارجية ينشط حالياً في عدد من العواصم الدولية، إلى جانب جهود ممثلي المجلس في الخارج لنقل صورة القضية الجنوبية وإيصال صوت شعب الجنوب”.
وتحمل هذه التحركات أهمية متزايدة في ظل النقاشات الإقليمية والدولية المتعلقة بمستقبل التسوية السياسية في اليمن، خصوصاً مع تزايد الحديث عن ترتيبات سياسية جديدة قد تعيد رسم شكل السلطة والنفوذ في البلاد.
وبحسب مراقبين، يسعى المجلس الانتقالي من خلال الحشد الشعبي والتحركات الخارجية إلى تثبيت نفسه كطرف رئيسي لا يمكن تجاوزه في أي مفاوضات مستقبلية، وإلى التأكيد على أن أي حل سياسي لا يأخذ بعين الاعتبار مطالب الجنوبيين قد يواجه تحديات كبيرة على الأرض.
وفي الداخل، جاءت التظاهرات أيضاً في توقيت حساس أعقب أشهر من التوترات السياسية والأمنية التي شهدها الجنوب، خاصة بعد أحداث يناير الأخيرة، والتي أدت إلى حالة من الاستقطاب الحاد وإعادة تشكيل موازين القوى داخل المناطق الجنوبية.
وقال الجبواني إن “المجلس الانتقالي كان شريكاً في السلطة وفق اتفاق الرياض، لكنه جرى استبعاده لاحقاً، وتم فرض حكومة أمر واقع بالقوة على شعب الجنوب”، معتبراً أن ما جرى خلال المرحلة الماضية مثّل محاولة لإضعاف مؤسسات المجلس وتقليص نفوذه السياسي والشعبي.
وأضاف أن “هذه السلطات حاولت النيل من المجلس ومؤسساته لكنها فشلت أمام إرادة شعب الجنوب”، مؤكداً أن حالة الجمود السياسي الحالية تعود بصورة رئيسية إلى تداعيات الأحداث التي شهدها الجنوب خلال الأشهر الماضية.
ورغم غياب أي مسار تفاوضي رسمي في الوقت الراهن، أشار الجبواني إلى أن المجلس لا يغلق الباب أمام أي جهود تسهم في خدمة المواطنين أو توحيد الصف الجنوبي، موضحاً أن “المجلس لا يمانع في فتح قنوات تواصل مع الأعضاء الجنوبيين داخل الحكومة إذا كان ذلك يخدم مصالح المواطنين ويسهم في توحيد كلمة الجنوبيين”.
وفي البعد الاستراتيجي، يواصل المجلس الانتقالي التركيز على الأهمية الجيوسياسية للجنوب، باعتبارها أحد العوامل التي تمنح القضية الجنوبية ثقلاً متزايداً في الحسابات الإقليمية والدولية، خصوصاً في ظل الموقع الحيوي المطل على مضيق باب المندب وخطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن.
وقال الجبواني إن “قراءة الموقف السياسي تجاه قضية شعب الجنوب العربي ترتبط بالموقع الجيوسياسي للجنوب على حدود ما قبل عام 1990 وتحكمه في مضيق باب المندب”، مضيفاً أن القوات الجنوبية “أثبتت كفاءتها في مواجهة المليشيات الحوثية والتنظيمات الإرهابية مثل داعش والقاعدة”.
ويشير المجلس الانتقالي باستمرار إلى الدور الأمني والعسكري الذي لعبته القوات الجنوبية خلال السنوات الماضية، سواء في مواجهة الحوثيين أو في مكافحة التنظيمات المتشددة، باعتبار ذلك أحد أبرز عناصر شرعيته السياسية والعسكرية على الأرض.
كما يرى المجلس وأنصاره أن الجنوب يمثل ركيزة أساسية في معادلة الأمن الإقليمي، خصوصاً مع تصاعد التهديدات المرتبطة بالملاحة الدولية وأمن البحر الأحمر، وهو ما يمنح المشروع الجنوبي، من وجهة نظرهم، بعداً يتجاوز الإطار المحلي اليمني.
وفي هذا السياق، أكد الجبواني أن “تلبية طموحات شعب الجنوب العربي تتطلب مساراً سياسياً عادلاً وتمكينه من إدارة شؤونه بما يحقق الاستقرار ويحمي المصالح الإقليمية والدولية”، في إشارة إلى أن أي مقاربة مستقبلية للملف اليمني لن تكون قابلة للاستمرار ما لم تتضمن معالجة واضحة للقضية الجنوبية.
ومع استمرار الزخم الشعبي الذي أظهرته التظاهرات الأخيرة، يبدو أن المجلس الانتقالي يسعى إلى استثمار هذه المرحلة لإعادة تثبيت حضوره السياسي داخلياً وخارجياً، وإعادة تقديم نفسه باعتباره القوة الأكثر تنظيماً وحضوراً داخل الجنوب، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى شكل التسويات المحتملة ومستقبل التوازنات في اليمن والمنطقة بأكملها
زر الذهاب إلى الأعلى