اخبار محلية

عدن بين فوضى القرارات وصراع النفوذ.. مدينة تتآكل تحت سلطة بلا مرجعية

عدن بين فوضى القرارات وصراع النفوذ.. مدينة تتآكل تحت سلطة بلا مرجعية

تعيش عدن اليوم واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا وتعقيدًا، مدينة أنهكتها الأزمات المتراكمة وتحولت فيها مؤسسات الدولة إلى ساحات صراع مفتوح بين مراكز النفوذ والقوى المتنازعة، حتى بات المواطن البسيط عاجزًا عن فهم من يحكم ومن يصدر القرار ومن يمتلك سلطة التنفيذ الفعلية على الأرض. فكل يوم يحمل معه أزمة جديدة، وملفًا أمنيًا أو خدميًا أو سياسيًا يكشف حجم الانقسام والتآكل الذي أصاب بنية السلطة في العاصمة عدن .

الحديث عن أوامر قبض تصدر بحق قيادات عسكرية وأمنية بارزة تابعة للمجلس الانتقالي ليس مجرد إجراء قضائي عابر، بل مؤشر خطير على حجم الصراع العميق داخل معسكر القوى التي يفترض أنها تدير المدينة وتحافظ على استقرارها. فحين تتحول الأجهزة القضائية والأمنية إلى أدوات تتجاذبها الحسابات السياسية، يصبح القانون نفسه محل شك، وتفقد الدولة ما تبقى من هيبتها أمام المواطنين.

المشهد في عدن لم يعد مجرد خلاف سياسي طبيعي، بل حالة من التشظي الحاد بين سلطات متعددة، لكل منها نفوذها وأذرعها وتحالفاتها، بينما المواطن يدفع الثمن وحده. الكهرباء تتعثر، المياه شحيحة، الاقتصاد ينهار، العملة تتآكل، والبطالة والفقر يلتهمان الناس، فيما تنشغل القوى المتصارعة بتصفية الحسابات وتبادل النفوذ وإعادة رسم موازين السيطرة داخل المدينة.

الأخطر من ذلك أن عدن أصبحت تعيش حالة من القلق الدائم بسبب غياب مرجعية واضحة للدولة. فحين تصدر قرارات ثم يتم التراجع عنها أو إعادة تفعيلها في ظرف أيام، تتولد قناعة عامة بأن القرار لم يعد مؤسسياً بقدر ما هو انعكاس لموازين القوة والضغوط السياسية والعسكرية. وهذا يضرب أساس الثقة بالقضاء والأجهزة الأمنية، ويجعل المواطن يشعر بأن العدالة انتقائية ومزاجية وليست قائمة على معايير ثابتة.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو الحكومة عاجزة عن فرض نموذج دولة حقيقية. فالسلطة التي لا تستطيع توحيد أجهزتها ولا ضبط خلافاتها الداخلية، كيف لها أن تواجه الانهيار الاقتصادي أو تحمي حياة الناس؟ وكيف يمكن الحديث عن استقرار واستثمارات وإعادة إعمار بينما المدينة تعيش على إيقاع الاستنفارات الأمنية والصراعات المكتومة والانقسامات المتزايدة؟

عدن التي كانت يومًا مدينة مدنية نابضة بالحياة والثقافة والتجارة، تحولت تدريجيًا إلى مدينة مثقلة بالعسكر والأزمات والخوف من المجهول. المواطن فيها لم يعد يبحث عن رفاهية أو مشاريع كبرى، بل عن أبسط حقوقه؛ كهرباء مستقرة، ماء، راتب، أمن، وعدالة لا تخضع لتقلبات السياسة.

ما يحدث اليوم يكشف بوضوح أن معركة عدن الحقيقية لم تعد فقط مع الأزمات الخدمية، بل مع غياب الدولة نفسها. فكلما اتسعت دائرة الصراعات الداخلية، تراجعت قدرة المؤسسات على العمل، وتزايد شعور الناس بأن المدينة تُدار بردود الأفعال لا برؤية واضحة لمستقبلها.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى ستظل عدن رهينة صراعات النفوذ وتضارب السلطات؟ وإلى متى سيدفع المواطن ثمن معارك لا علاقة له بها، بينما تتآكل المدينة يومًا بعد آخر تحت وطأة الفوضى والعبث

من عين الجنوب

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى