مقالات وتحليلات

حوار الرياض الجنوبي.. حين تتحول القضية الوطنية إلى “منصات” قابلة للإدارة

حوار الرياض الجنوبي.. حين تتحول القضية الوطنية إلى “منصات” قابلة للإدارة

كتب : وضاح علي ناشر

لم يعد ما يجري تحت عنوان “الحوار الجنوبي ـ الجنوبي” يثير الجدل فقط، بل بات يثير القلق الحقيقي لدى كثير من الجنوبين الذين يرون أن القضية الجنوبية تتعرض اليوم لمحاولة إعادة تعريف خطيرة، تنقلها من كونها قضية سياسية وطنية لشعب يسعى لاستعادة دولته وهويته، إلى مجرد ملف مجتمعي تُوزَّع أدواره بين منصات وفئات يجري تصميمها بعناية لضبط النتائج مسبقًا.

القضية الجنوبية لم تولد في غرف الفنادق، ولم تصنعها الترتيبات الإقليمية، ولم تكن يومًا أزمة تمثيل اجتماعي تحتاج إلى إعادة توزيع حصص بين الشباب والمرأة والمشايخ والشخصيات الاجتماعية والمجالس المحلية والسلاطين والأمراء. القضية الجنوبية وُلدت من صراع سياسي وتاريخي طويل، ومن شعب قدّم التضحيات لعقود دفاعًا عن هويته وحقه في استعادة دولته. ولهذا فإن أخطر ما يحدث اليوم هو محاولة تفريغ هذه القضية من بعدها السياسي وتحويلها إلى “حوار مكونات مجتمعية ” يمكن التحكم به وإدارته وفق توازنات مصطنعة.

ما يُطرح اليوم تحت مسمى “الفئات السبع” ليس مجرد آلية تنظيمية كما يحاول البعض تصويره، بل يعكس عقلية سياسية واضحة تقوم على تشتيت مركز الثقل الجنوبي وإضعاف القوى الحاملة للمشروع الوطني الجنوبي، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي والقوى المتحالفة معه. فحين يتم اختزال التمثيل السياسي ( ستشارك بصفاتها الشخصية وليس التنظيمية ) في منصة واحدة فقط، مقابل تضخيم منصات أخرى يجري اختيارها وترتيبها بعناية، فإن الرسالة تصبح واضحة: المطلوب ليس بناء شراكة سياسية حقيقية، بل صناعة مشهد جديد تكون فيه القوى المؤمنة بمشروع استعادة الدولة مجرد طرف بين أطراف متعددة يجري التحكم بتوازناتها من الخارج.

الأمر لا يتعلق بمشاركة المرأة أو الشباب أو الشخصيات الاجتماعية، فهذه مكونات طبيعية في أي مجتمع حي، لكن السؤال الجوهري هو: لماذا يجري استخدام هذه العناوين اليوم كأدوات لإعادة تشكيل المشهد السياسي الجنوبي؟ ولماذا يتم تقديم “الهوية المجتمعية” على حساب “الهوية السياسية”؟ ولماذا يُراد للقضية الجنوبية أن تتحول من مشروع وطني تحرري إلى مجرد ملف إدارة مصالح ومحاصصات؟

الحقيقة التي يحاول البعض تجاوزها هي أن الجنوب لم يعد ساحة فارغة يمكن إعادة تركيبها وفق الرغبات الإقليمية أو الحسابات الدولية. هناك واقع سياسي وشعبي تشكل على الأرض خلال سنوات طويلة من النضال، وهناك إرادة جنوبية عبّرت عن نفسها في الميادين والساحات، وليس في القاعات المغلقة. وهذه الإرادة لا يمكن احتواؤها عبر توزيع المقاعد على منصات مصممة مسبقًا لإنتاج نتائج محددة.

الأخطر من كل ذلك أن هذا المسار لا يستهدف فقط تحجيم المجلس الانتقالي الجنوبي، بل يستهدف جوهر القضية الجنوبية نفسها. لأن أي محاولة لنزع الطابع السياسي عن القضية وتحويلها إلى قضية “فئات مجتمعية” تعني عمليًا إسقاط حق شعب الجنوب في التمثيل السياسي الحقيقي لقضيته، وتحويل نضاله الوطني إلى مجرد تباينات اجتماعية قابلة للتسوية والإدارة.

ولهذا فإن من واجب كل من يؤمن بالقضية الجنوبية أن يتعامل مع ما يجري بوعي عميق، بعيدًا عن الشعارات الفضفاضة والعناوين البراقة. فالمعركة اليوم لم تعد فقط حول شكل الحوار، بل حول تعريف القضية نفسها: هل الجنوب قضية شعب يسعى لاستعادة دولته وحقه السياسي الكامل؟ أم مجرد تجمع فئات يمكن إعادة ترتيبها داخل مشروع سياسي لا يعبر عن تطلعاته الحقيقية؟

إن أي حوار لا ينطلق من الاعتراف بالقضية الجنوبية كقضية سياسية وطنية، ولا يحترم الإرادة الشعبية التي فرضت نفسها على الأرض، لن يكون حوارًا لصناعة الحل، بل محاولة لإعادة إنتاج الأزمة بصورة جديدة. والتاريخ أثبت أن الشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها لا تقبل أن تُختزل قضاياها المصيرية في ترتيبات شكلية تُدار من خلف الستار.

وضاح علي ناشر

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى